محددات الاشتباك السياسي وبناء الدولة في سوريا

21.04.2026 | 12:25

يوضح هذا المستند التحليلي الرؤى العميقة التي طرحها رئيس التحرير نضال معلوف حول المشهد السوري الراهن، مركزاً على طبيعة الصراع القائم بين سلطة تسعى لتكريس بقائها وبين جمهور يتطلع لإعادة بناء الدولة على أسس علمية وهندسية. يستعرض التقرير مفهوم "قواعد الاشتباك" السياسي، وتحليل أداء السلطة الانتقالية، والمعوقات التي تحول دون العبور الآمن نحو دولة مستقرة.

أولاً: جوهر الصراع وقواعد الاشتباك

يرى نضال معلوف أن الصراع في سوريا اليوم يتشكل بين طرفين بملامح واضحة:

  1. طرف السلطة: وجمهورها الذي يريد بقاء هذه السلطة على رأس الدولة مهما كان الثمن.
  2. طرف بناء الدولة: وهو الطرف الذي يسعى لإعادة بناء هيكل الدولة الذي انهار نتيجة ممارسات نظام الأسد، محاولاً تحقيق الأهداف المنشودة للسوريين منذ انطلاق الثورة في عام 2011.

ويُعرف معلوف "الاشتباك" هنا بأنه السجال السياسي والمشاريع المتضاربة حول كيفية إدارة المرحلة الحالية. ويشدد على أن عملية الانتقال من انهيار الدولة إلى إعادة بنائها هي "عملية علمية هندسية" وليست مجرد صدفة أو عواطف، وهو ما تحاول السلطة الحالية حرف النقاش عنه بعيداً إلى مساحات ثانوية.

ثانياً: مفارقة "المونتاج" والواقع (مشهد كرة السله)

استخدم معلوف تسجيلين "لأحمد الشرع" (الجولاني) وهو يلعب كرة السلة لتوضيح الفارق بين الدعاية السياسية والواقع الميداني:

  • المقطع الدعائي (المونتاج): يحاول تصوير قائد الفصيل كرئيس دولة متمكن ومحترف، وهو نوع من الدعاية الذكية لكسب ود الجمهور.
  • المقطع الواقعي: أظهر فشل "الشرع" في تسديد أربع رميات متتالية، ووصفه معلوف بـ "الأفشل" (بالمصطلح الحلبي) دلالةً على افتقاره للمهارة في هذا المجال.

الدلالة السياسية: يرى معلوف أن هذا المشهد يعبر عن الواقع أكثر من المونتاج؛ فكون الشخص قائد فصيل ساهم في إسقاط النظام لا يؤهله تلقائياً ليكون "رئيس دولة" أو "لاعب سلة محترف". العجز في الميدان (سواء الرياضي أو السياسي) يكشف عدم الأهلية، والخطورة تكمن في محاولة فرض رئيس انتقالي على أنه "رئيس شرعي لدولة مستقرة" دون المرور بالاستحقاقات القانونية والمؤسساتية.

ثالثاً: استراتيجية "يد الشيطان" والإلهاء

يتحدث معلوف عما يسميه "دور الشيطان" في إدارة المرحلة، وهو أسلوب الإلهاء الذي تتبعه السلطة ورموزها (مثل الدكتور عبد المنعم زين الدين):

  • اليد التي تلوح: هي اليد التي تثير قضايا عاطفية، وتتحدث عن المظلوميات، وتخون المعارضين، وتسخر من مطالب الناس الخدمية (مثل الكهرباء والخبز).
  • اليد التي "تكوش": هي اليد التي تستولي على الموارد، وتتخذ قرارات استراتيجية سيادية دون تفويض، وتسيطر على مفاصل الدولة المنهارة.

وينتقد معلوف بشدة الخطاب الذي يحاول تقسيم السوريين بناءً على "أين كنت وقت الثورة؟"، معتبراً إياه خطاباً إقصائياً يهدف لتبرير احتكار السلطة وتهميش الكفاءات التي تريد بناء مؤسسات حقيقية لا "مؤسسات شكلية" تفتقر لأدنى المعايير البشرية.

رابعاً: هندسة بناء الدولة (المسار العلمي الحتمي)

يؤكد معلوف أن بناء الدولة ليس صدفة بل هندسة متدرجة، مستنداً إلى مراجع دولية وعلمية (مثل البنك الدولي، فرانسيس فوكوياما، صامويل هنتينغتون). وحدد أربع محطات حتمية للانتقال من الفراغ إلى المؤسسة:

مراحل الانتقال السياسي

المحطة

التوصيف

الأهداف والسمات

الأولى

سقوط السلطة

انهيار النظام القديم، حل البرلمان، غياب القانون.

الثانية

تثبيت الاستقرار

منع الانفجار، وقف القتال، إنشاء سلطة مؤقته (الوضع الحالي).

الثالثة

المرحلة الانتقالية

العبور من "القوة" إلى "الشرعية"، بناء المؤسسات، كتابة الدستور.

الرابعة

الدولة المستقرة

انتخابات حقيقية، تمثيل كامل، قضاء مستقل، اقتصاد منظم.

 

 

ويشير معلوف إلى أن الخلل القاتل الذي ترتكبه سلطة "الشرع" هو محاولة "القفز فوق الحفرة"؛ أي الانتقال من محطة تثبيت الاستقرار (المحطة الثانية) مباشرة إلى ادعاء أنهم "دولة مستقرة" (المحطة الرابعة)، متجاهلين تماماً استحقاقات المرحلة الانتقالية.

خامساً: صلاحيات السلطة الانتقالية مقابل الدولة المكتملة

يوضح نضال معلوف الفوارق الجوهرية في الصلاحيات، معتبراً أن تجاوز هذه القواعد يهدد بانهيار "الجسر" الذي يعبر بالسوريين نحو الدولة:

  • القرارات الاستراتيجية: ليس من حق السلطة الانتقالية اتخاذ قرارات طويلة الأمد أو سيادية (مثل خصخصة الكهرباء، بيع الأصول العامة، أو تحديد شكل الاقتصاد).
  • احتجاز السلطة: يمنع في المراحل الانتقالية احتكار القرار، ويجب توسيع دائرة المشاركة.
  • تسيير الأعمال: مهمة السلطة الحالية هي "تسيير أعمال" لتهيئة الظروف للشرعية، وليس "إعادة تشكيل نهائي" للمجتمع والدولة.

سادساً: نقد الرموز والخطاب السلطوي

تطرق معلوف إلى شخصيات تساهم في تضليل الرأي العام:

  1. عبد المنعم زين الدين: انتقد خطابه الذي يركز على المظلوميات الشخصية وتخوين المطالبين بالحقوق، واصفاً أسلوبه بـ "السفالة السياسية" التي تشوه أهداف الثورة وأخلاقها.
  2. الدكتور صبري مريم: وصفه بـ "المتعلم الجاهل" لأنه اعتبر كلمة "انتقالية" شتيمة أو خيانة، موضحاً أن المرحلة الانتقالية هي مفهوم علمي وقانوني حتمي وليست تهمة.

سابعاً: مخاطر "إعادة هندسة المجتمع"

حذر معلوف من خطة سرية تتبعها السلطة الحالية لكسب الوقت (السنوات الخمس التي حددها الشرع)، ليس من أجل الإنجاز، بل من أجل:

  • إعادة هندسة المجتمع: تغيير فكر السوريين، خاصة الأطفال في المساجد، ليتناسب مع أيديولوجيا السلطة.
  • التغلغل الأيديولوجي: تحويل المجتمع ليكون "مناسباً للسلطة" بدلاً من أن تكون السلطة مناسبة للمجتمع.
  • الاغتيال المعنوي: استخدام الشتائم وتشويه السمعة لكل من يسأل عن استحقاقات المرحلة الانتقالية.

ثامناً: التقرير الاقتصادي والارتباطات الخارجية

أشار معلوف إلى تقارير دولية (نيويورك تايمز ومجلة المجلة) تعكس الواقع السوري:

  • عائلة الخياط: التقرير الذي يربط بين استثماراتهم وعلاقتهم بإدارة ترامب، يراه معلوف كمحاولة "لشراء نفوذ مبكر" في سوريا القادمة في ظل وجود فراغ سياسي.
  • مجلة المجلة: أكدت أن العام الأول للسلطة الحالية أظهر "ضعفاً هيكلياً في الحوكمه"، وأن التحسينات الجزئية غير قابلة للاستمرار دون إصلاحات مؤسسية عميقة وشفافية.

تاسعاً: التوصيات والأسئلة المركزية للجمهور

يختتم نضال معلوف رؤيته بوضع "سلاح فكري" في يد السوريين لضبط إيقاع المرحلة:

  1. السؤال القاتل: يجب مواجهة المسؤولين دائماً بسؤال: "هل نحن نتعامل مع مرحلة انتقالية أم مع سلطة تتصرف كدولة مكتمله؟".
  2. إلزام السلطة: المطالبة بخروج "الشرع" أو ناطق رسمي ليتعهد بالالتزام بمهام المرحلة الانتقالية وفق جدول زمني وأهداف قابلة للقياس.
  3. إبطال القرارات غير المفوضة: اعتبار قرارات الخصخصة والسياسات الاقتصادية الكبرى باطلة لأنها تجاوزت صلاحيات "الجسر المؤقت".
  4. الوعي الشعبي: ضرورة عدم الانجرار للمعارك الجانبية (من ضحى أكثر؟) والتركيز على الهدف الأسمى وهو بناء "دولة القانون" التي يتساوى فيها الجميع بغض النظر عن خلفياتهم.

الخلاصة: إن سوريا اليوم تقف على "جسر مهتز"؛ فإما أن تُجبر السلطة على الالتزام بقواعد المرحلة الانتقالية للعبور نحو الدولة، أو أن يؤدي القفز فوق هذه المرحلة والتمسك بالحكم المطلق إلى انهيار الجسر وسقوط الجميع في حفرة الفوضى الدائمة.

 



Contact
| إرسال مساهمتك | نموذج الاتصال
[email protected] | © 2025 syria.news All Rights Reserved