تستعرض هذه الحلقة من برنامج "بالمباشر" شهادة المهندس والناشط السياسي محمد الدبش حول التحديات الهيكلية والفساد الإداري والمالي الذي يواجه سوريا في ظل الحكومة الانتقالية الحالية.
بينما كانت الوعود تنهال بمرحلة انتقالية تنقل السوريين من ضفة الحرب إلى ضفة الاستقرار، اصطدم الواقع ببيانات أممية مريرة تصف مشهداً يقترب من الحافة.
يشير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى أن أكثر من 80% من الأسر السورية لم تعد قادرة على تأمين احتياجاتها الغذائية الأساسية. وفي قلب هذا الانهيار، يبرز تساؤل جوهري يتجاوز لغة الأرقام: كيف تحولت "الحكومة الانتقالية" من راعٍ لمصالح المواطنين إلى "خصم تجاري" وشريك قسري ينافس السوريين على لقمة عيشهم؟ وكيف أدى الاستعراض الأجوف وغياب الخبرة إلى وضع البلاد أمام سيناريوهات الخراب الحتمي؟
أولاً: عندما تصبح "الحكومة الانتقالية" تاجراً يقتات على شقاء المزارع
يشرح الناشط السياسي محمد الدبش ،آلية تحول السلوك المؤسساتي في سوريا مؤخراً من دور "الدولة الراعية" التي تدعم الإنتاج المحلي، إلى دور "التاجر الشريك" الذي يفرض نفسه بقوة السلطة لانتزاع الأرباح. تجلى هذا السلوك "الافتراسي" بوضوح في ملف القمح، المحصول الاستراتيجي الذي كان يوماً فخر الإنتاج السوري:
الأسعار القاتلة: عرضت الحكومة الانتقالية سعراً بخساً لشراء القمح (330 دولاراً للطن)، وهو رقم يبتعد مسافات ضوئية عن أسعار دول الجوار؛ حيث يتراوح السعر في العراق بين 500 و600 دولار، وفي تركيا بين 450 و500 دولار.
مشهد الـ "ويل لودر": في لحظة يأس تراجيدية، اضطر مزارعون لاستخدام الآليات الثقيلة (الويل لودر) لتدمير محاصيلهم ودهس سنابل القمح بدلاً من بيعها بخسارة لا تغطي حتى تكاليف المازوت والري، في صرخة احتجاج ضد عقلية الدولة التي تريد الاستحواذ على المحصول لإعادة بيعه بأسعار تجارية لجهات في تركيا.
سياسة الإفقار الممنهج: بدلاً من تأمين الاحتياطي الغذائي، تحول القمح إلى سلعة للمناورة التجارية، مما أدى لتقويض الأمن الغذائي للمواطن وإخراج المنتج المحلي من دائرة الجدوى الاقتصادية.
"الدولة صارت تاجر بدها تأخذ القمح وبدها تبيعه لحدا بتركيا... الموسم كثير منيح كان للاسف الدولة عرضت سعر جداً متدني" محمد دبش، خبير في الشؤون الإنسانية.
ثانياً: "بروباغندا" جسر الرستن.. الاستعراض الأجوف فوق حطام البنية التحتية
ويضيف المهندس محمد الدبش،أنه في الوقت الذي تغرق فيه المدن في أزمات الصرف الصحي وتفتقر لشبكات المياه الصالحة، اختارت الحكومة الانتقالية التركيز على "الشو الإعلامي" من خلال مشاريع ترميم بسيطة جرى تضخيمها كإنجازات تاريخية، كما حدث في "جسر الرستن":
تاريخ مُصادر: الجسر الذي شيدته شركة بلغارية (Techno-Expo) عام 1976، لم يكن للحكومة فضل في ترميمه الأخير. الحقيقة الصادمة أن المشروع تم بتمويل من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) وبمساهمة من مستثمر خاص (وليد الزعبي - شركة تايجرز) الذي دفع 200 ألف دولار للترميم.
مسرحية العاشرة ليلاً: بأسلوب يفتقر للحس الإداري، افتتح الجسر بمواكب رسمية وأضواء كاشفة (بنجكتورات) في الساعة العاشرة ليلاً ليُصور كإعجاز رئاسي، رغم أن الجسر كان مغلقاً لمدة عام ونصف كبّد خلالها المواطنين خسائر هائلة في الوقود والوقت بسبب الالتفاف لمسافة 100 كم إضافية.
الفشل التقني: الصدمة الكبرى تمثلت في إغلاق الجسر أمام حركة المرور بعد يومين فقط من "الاحتفال الصاخب"، مما يطرح تساؤلات حول السلامة الإنشائية ومدى كفاءة الجهات التي "تنفعت" من عقد الترميم.
"واحد بيطلع بيفتتح جسر بالنهار بالساعة 10 بالليل وشاعلين بنجكتورات وأضوية ومواكب... مشان مشروع لا أنتم دفعتوا ولا أنتم صلحتوا".
ثالثاً: المساعدات الدولية.. الغربال الذي لم يعد يستر أحداً
تواجه سوريا اليوم تراجعاً حاداً في الدعم الدولي، حيث تحول "الغربال" الذي كان يستر ملايين العائلات إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي لا تملك الحكومة الانتقالية أي خطة لمواجهته:
تآكل الدعم: تراجع عدد المستفيدين من برنامج الغذاء العالمي (WFP) من 6 ملايين شخص إلى مليون واحد فقط. هذا التراجع ليس مجرد "نقص تمويل"، بل هو نتيجة مباشرة للتشدد في المعايير الدولية.
الفخ الأمريكي: الولايات المتحدة، رغم ادعاءاتها بعدم المساس بالنشاط الإنساني، توقفت فعلياً عن الدعم المالي المباشر لمنظمات الأمم المتحدة في سوريا، كجزء من ضغط سياسي يهدف لانتزاع تنازلات في ملفات السلام، تاركةً العائلات التي كانت تُصنف "مستورة" في مواجهة مباشرة مع الجوع.
غياب التنسيق: تكتفي الحكومة بالوقوف موقف المتفرج، دون أي تنسيق حقيقي لتعويض النقص أو تسهيل بدائل محلية، مما يفاقم التضخم ويزيد من كلفة السلة الغذائية فوق قدرة المواطن الشرائية.
رابعاً: كارثة الفرات.. حينما يغرق الإهمال ما تبقى من محاصيل
لم يكن فيضان نهر الفرات الأخير مجرد نكبة طبيعية، بل كان انعكاساً صارخاً لغياب الخبرة الفنية والترهل الإداري الذي حول "الماء" إلى "لعنة":
نافذة الأربع ساعات: أرسل الجانب التركي تحذيرات مسبقة بفتح كميات هائلة من المياه، والجدير بالذكر أن المياه تستغرق 4 ساعات فقط لتصل من الحدود التركية إلى العمق السوري. ورغم علم وزارة الموارد المائية، إلا أن الاستجابة كانت معدومة.
سد متهالك: من أصل 8 بوابات في سد الفرات، هناك 4 بوابات فقط تعمل، حيث لم تُجرَ لها أي صيانة منذ 15 عاماً. هذا العجز التقني جعل السد عاجزاً عن تصريف الغزارة المائية، مما أدى لفيضان المياه وتدمير المحاصيل على ضفتي النهر.
عزل "الجزيرة": الكارثة لم تتوقف عند المحاصيل، بل أدى الفيضان لجرف "الردميات الترابية" التي كانت تُستخدم كجسور بديلة غير نظامية، مما أدى عملياً لقطع منطقة "الجزيرة" السورية عن بقية المحافظات، وتدمير شريان التواصل الاقتصادي والاجتماعي الوحيد المتبقي.
خامساً: فخ المحسوبيات.. حلم "سنغافورة" الذي وأدته عقلية "الكانتونات"
بينما يروج البعض لمشاريع تحويل سوريا إلى "سنغافورة الشرق"، تكشف التعيينات الأخيرة في الحكومة الانتقالية عن تكريس لعقلية الولاء الشخصي والمحسوبية التي قتلت أي بصيص أمل في الإصلاح المؤسساتي:
إقصاء المكونات: في خطوة تعكس ضيق الأفق السياسي، جرى استبعاد كفاءات وطنية وتمت إقالة "وزير درزي" ليُستبدل بآخر من أقارب وزير الحالي من منطقة "حلفايا"، في تكريس لسياسة "حكومة الأقارب والأصدقاء" بدلاً من حكومة واسعة الطيف.
الولاء فوق الكفاءة: تدرك القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أن الإدارة الحالية تفتقر للاعتمادية المصرفية والائتمان الدولي. فبينما ينتظر البعض تفعيل نظام "سويفت"، تظل البنوك الدولية متخوفة من التعامل مع بيئة إدارية غارقة في المحسوبية والفساد الإداري.
عائق "الكانتونات": إن عقلية إدارة البلاد كـ "كانتونات" مغلقة تمنع أي اعتراف دولي حقيقي، وتجعل من سوريا ساحة لمنافسات إقليمية (تركية-أمريكية) يدفع ثمنها المواطن الذي ينتظر نهضة اقتصادية لا تأتي.
"نحن ما عم نطلع من هي العقلية تبع عائق صاحبي وأخي وحبيبي... وبالأخير بيقول لك سنغافورة! سنغافورة أول ما ساوت لغيت المحسوبيات".