التيه بين الأكثرية الوهمية والمدنية المجهولة بقلم : أكثري مدني
مساهمات القراء
يصعب على المرء أن يصدق أن بين أربعةٍ وعشرين مليون سوري، في الداخل والشتات، لا توجد كتلة وازنة وفاعلة ومؤثرة تؤمن بفكرة الدولة المدنية الحقيقية وتسعى بجهود عملية للترويج لها والدفاع عنها كفكرة على الأقل. والدولة المدنية هنا ليست دولةً ضد الدين، بل دولة تكفل الحقوق المدنية والسياسية لجميع مواطنيها دون تمييز. ومن يؤمن بمثل هذه الدولة يستحيل أن يكون، في الماضي أو الحاضر، مؤيداً للاستبداد أو مدافعاً عنه، كما يستحيل أن يقبل بالواقع الحالي المليء بالتجاوزات والانتهاكات.
غير أن بناء الدولة لا يمكن أن يتم بعقلية الميليشيا؛ فالدولة تُبنى على القانون والمؤسسات لا على الانتقام أو ترهيب الأقليات أو من الأكثرية ممن لا يتوافقون فكرياً مع القائمين على السلطة الحالية. إن من يسعى لبناء دولة عليه أن يفتح صفحة جديدة تقوم على ترميم الثقة المهدورة بين المكوّنات، وهي الثقة التي دمّرها النظام السابق عبر عقود.
وفي قلب المعضلة يكمن الخلل في فهم منطق "الأكثرية" و"الأقلية". فالأقليات، تاريخياً، تعرضت في فترات معينة إلى تهديد، وعاشت بهاجسه، لكن الأكثرية لا يحق لها أن تتصرف بذهنية الإقصاء، بل يجب أن تؤدي دوراً جامعاً يطمئن الجميع ويحتويهم.
أما ما يُسمّى "الأكثرية السنية" فهو في حقيقته وهم سياسي واجتماعي؛ إذ لو كانت هذه الأكثرية كتلة متماسكة لما تمكّن النظام الأسدي الاستبدادي البائد من الحكم لما يقارب نصف قرن. بل هي فيها كثير من التصنيفات الشعبية داخل هذه الفئة بحسب العرق والجغرافيا والثقافة، مما يجعل "الأكثرية السنية" مجرد مظلة فضفاضة تُستغل في الخطاب السياسي لتأجيج الصراعات، فيما تبقى الكتلة الصامتة غائبة عن الفعل، عاجزة أو مترددة عن قول كلمة "كفى".
وفي خضم هذا المشهد المربك، من الطبيعي أن تتحرك أطراف متعددة — داخلية وخارجية — لاقتناص الفرص في المياه العكرة، مدفوعة بأجنداتها الخاصة. لكن أخطر ما في الأمر أن هذه الأطراف تجد في الأخطاء المرتكبة مبررات جاهزة للتدخل والتحريض، لأننا، من خلال غياب الدولة المدنية والفكر المؤسساتي، نسهّل عليهم تنفيذ مخططاتهم على حساب المصلحة الوطنية. فالدولة الحقيقية هي الحاضنة التي تجمع، لا المؤججة التي تنفّر، وإقصاء المكوّنات يدفع بعض أجزائها للارتباط بأجندات خارجية أو لتنفيذ أجندة خاصة بها بعد أن كانت جزءاً من النسيج الوطني.
سوريا التي نحلم بها لن تُبنى على وهم الأكثرية، ولا على عقلية الميليشيا، ولا على استدعاء الماضي لتبرير الحاضر. الطريق الوحيد هو مشروع دولة مدنية حقيقية تكفل الحقوق بالتساوي وتعيد بناء الثقة بين جميع أبنائها، من دون أن نستبدل استبداداً قديماً بآخر جديد.
-----------------------------------------------------------------------
*الاراء الواردة في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع
*ارسل مساهمتك على الايميل [email protected]
TAG: مساهمات القراء
الشيباني: سوريا لن تكون مصدراَ لتهديد دول الجوار
السفارة التركية بدمشق: دخول نظام التأشيرة الإلكترونية للسوريين الراغبين بالسفر إلى قبرص التركية حيز التنفيذ
ارتفاع حصيلة المصابين بالتسمم الغذائي في دير الزور الى 227
الشيباني يبحث مع ملك الأردن علاقات التعاون والهجمات الاسرائيلية على سوريا
الشيباني: قرار اسرائيل ضم الجولان "حبر على ورق"
واشنطن تعلن رفع الحظر العسكري المفروض على سوريا
تنين بحري يضرب ريف طرطوس ويتسبب باتلاف محاصيل زراعية
سوريا تعزز موقعها كممر تجاري بين الخليج وأوروبا عبر مشاريع طرق دولية
سوريا تدين مقتل شاب من ذوي الاحتياجات الخاصة على يد اسرائيل في درعا


