مقالات رئيس التحرير

حادثة محمد غميرة ومأزق بناء "دولة القانون" في الشمال السوري

20.08.2026 | 13:29

تعد قضية الشاب "محمد غميرة"، الذي قضى تحت التعذيب في أحد المخافر، نقطة تحول في الخطاب العام السوري، حيث اتخذها رئيس التحرير نضال معلوف منطلقاً لتحليل أعمق لبنية السلطة القائمة في الشمال السوري، مفرقاً بين مفهوم "الإمارة" ومفهوم "دولة القانون". يتناول هذا التسجيل التفاصيل الكاملة للحادثة، والشهادات المتضاربة، والنتائج السياسية والحقوقية التي خلص إليها معلوف.

أولاً: قضية محمد غميرة.. الوقائع والشهادات المتناقضة

توفي الشاب محمد غميرة (29 عاماً) بعد توقيفه في أحد المخافر بناءً على "ادعاء" مالي أو شكوى كيدية. كان محمد مصاباً بمرض "الناعور" (الهيموفيليا)، وهو مرض يتسبب بنزيف حاد عند التعرض لأي إصابة.

 

 

تضارب الروايات حول أسباب الوفاة

قدمت عائلة المغدور روايتين متناقضتين تماماً، مما يعكس الضغوط الاجتماعية والسياسية المحيطة بالقضية:

وجه المقارنة

شهادة العم (مصطفى غميرة)

شهادة الزوجة

طبيعة الاعتداء

ادعى أنه "كف" واحد فقط من أحد العناصر بشكل فردي.

أكدت تعرضه لضرب مبرح على الرأس والرقبة وبطنه (ثلاث لكمات).

الموقف من السلطة

عبر عن ثقته بوزير الداخلية والدولة، واصفاً إياها بـ "العظيمة".

اتهم القائمين على المخفر بالكذب، ومنع الدواء عنه، والتستر على المجرمين.

الآثار الجسدية

نفى وجود كدمات، مدعياً أن النزيف كان داخلياً تدريجياً.

أكدت رؤية آثار الضرب (الكدمات) على رقبته بعينها وبشهادة شهود آخرين.

الرعاية الطبية

ادعى أن وزارة الداخلية أمنت له جرعات دواء نادرة.

أكدت أن زوجها أخبرها قبل غيبوبته أنه لم يرَ طبيباً ولم يأخذ دواءً.

تعقيب نضال معلوف: وصف معلوف شهادة العم بأنها "منافقة"، معتبراً أن تبرير القتل تحت التعذيب والثناء على السلطة التي قتلته هو قمة الاستلاب وهدم لمنطق الحقوق.

ثانياً: بنية الفساد القضائي وشبكات "السمسرة"

كشف نضال معلوف عن آليات عمل شبكات الفساد داخل الجهاز القضائي والأمني الحالي، والتي تستخدم التوقيف أداةً للتربح المادي:

  • شبكات السمسرة: ترتبط بعض الشخصيات (قضاة، محامون، كتبة تقارير) ببعضها لتقديم شكاوى ضد أشخاص ذوي ملاءة مالية.
  • التوقيف للابتزاز: يتم دك الأشخاص في السجون بناءً على ادعاءات تافهة لترهيب ذويهم، مما يدفع الأهالي للبحث عن "سماسرة" من المحامين المرتبطين بالقاضي لدفع مبالغ طائلة مقابل الإفراج.
  • ثقافة "الداخل مفقود": يعتمد النظام الحالي على إشاعة الخوف من التعذيب لتسهيل عمليات الابتزاز المالي، حيث يصبح الخلاص من السجن هدفاً يُدفع في سبيله الغالي والرخيص.

ثالثاً: الفرق الجوهري بين "الإمارة" و"الدولة"

يرى معلوف أن المشكلة الأساسية تكمن في أن السوريين، في سعيهم للخلاص من استبداد الأسد، وقعوا في فخ بناء "إمارة" بدلاً من "دولة قانون".

محددات دولة القانون (المفتقدة حالياً):

  1. فصل السلطات: غياب هذا المبدأ يؤدي إلى تمركز القوة في يد شخص واحد (الأمير)، مما يعني غياب الرقابة والمحاسبة.
  2. استقلال القضاء: القضاء حالياً ممسوك من السلطة التنفيذية؛ فالأمير هو من يضع القانون، ويعين القضاة، ويشكل لجان التحقيق مع نفسه، مما يلغي مفهوم "الحق".
  3. التعددية الحزبية: غياب الأحزاب يؤدي للعودة إلى العشائرية والطائفية والمناطقية (مفاهيم ما قبل الدولة).
  4. تداول السلطة: يضمن أن الحكم للشعب وليس لفرد؛ فالعجز عن تغيير "الحاكم الجيد" يعني العجز عن تغيير "الحاكم السيئ" لاحقاً.
  5. حرية الصحافة: تعمل الصحافة كـ "إنذار مبكر". قمعها لا ينهي المشاكل بل ينهي المعلومات عنها، مما يؤدي لانفجارها لاحقاً.
  6. الحريات العامة والمجتمع المدني: حق المجتمع في تنظيم نفسه عبر نقابات وجمعيات مستقلة تمثله لا تتبع للسلطة.

اقتباس لنضال معلوف: "في الإمارة لا يوجد حقوق، بل يوجد 'مكرمات' و'مناشدات'. الحق هو ما يقرره الأمير، والمواطن في الإمارة هو مملوك للسلطة، وليس له أي حق يجبر الأمير على تلبيته".

رابعاً: نقد النخب الثورية والمثقفين "المنافقين"

شن نضال معلوف هجوماً لاذعاً على من وصفهم بـ "النخب المنافقة" أو "الانتفاعيين"، وهم الأشخاص الذين كانوا يطالبون بمعايير دقيقة لدولة القانون أيام نظام الأسد، ولكنهم اليوم يبررون تجاوزات السلطة الحالية:

  • التبرير بالواقعية: رفض معلوف حجة "المثالية الزائدة" أو "الأقصوية"، مؤكداً أن المطالبة بالحد الأدنى من استقلال القضاء ليست مثالية بل هي ضرورة للبقاء.
  • الارتهان للمصالح: اتهم بعض الحقوقيين والدبلوماسيين السابقين بالتحول إلى "غلمان" و"لحيسة" لدى أمراء الحرب، مقابل مكاسب مادية أو مناصب وهمية.
  • قصر النظر: حذر معلوف هذه النخب من أن السلطة المستبدة ستقضي عليهم في النهاية، وأن صمتهم عن المجازر السابقة (في الساحل والسويداء وغيرها) جعلهم شركاء في الجريمة.

خامساً: المظاهر "العصابية" للسلطة الحالية

استعرض معلوف مشاهد مصورة لبعض مسؤولي السلطة الحالية، واصفاً إياها بـ "الكوميديا السوداء" التي تعكس "فجعاً بالسلطة":

  • مشهد "أبو قصرة" (وزير الدفاع): انتقد معلوف مشهد دخول الوزير إلى مهرجان ثقافي مع حراسة مشددة تدفع الناس وتصرخ "بعد.. بعد" رغم عدم وجود أحد يقترب منه، واصفاً إياه بـ "المرض النفسي" الذي يحاكي استبداد الأسد بل ويتفوق عليه في الابتذال.
  • مواكب المحافظين: انتقد تصوير مواكب المسؤولين بـ "الدرون" والمبالغة في المظاهر العسكرية، معتبراً أن هذه الممارسات لا تبني دولاً بل تبني عصابات ترهب المجتمع.

:

إن حادثة مقتل محمد غميرة ليست مجرد "خطأ فردي"، بل هي نتيجة طبيعية لغياب المؤسسات واستبدال دولة القانون بسلطة "الجماعة والأمير". وبدون قضاء مستقل، سيظل السوريون "عبيداً" بانتظار مكرمات الحاكم، بدلاً من كونهم مواطنين يمتلكون حقوقاً مصانة.

 


TAG:

الشرع للجزيرة: نحو اتفاق أمني مع إسرائيل دون المساس بحق سوريا في الجولان.. ولا تدخل في لبنان

أكد الرئيس الانتقالي أحمد الشرع أن دمشق تخوض محادثات للتوصل إلى ترتيبات أمنيّة مع إسرائيل بمشاركة دولية، مشدداً في الوقت ذاته على ثبات الموقف السوري إزاء الحقوق الوطنية في الجولان المحتل.

استقالة جماعية لمجلس بلدة عين منين وإضراب للتجار في دمشق احتجاجاً على احتجاز عدد من أبناء البلدة

أفادت مصادر محلية وإعلامية بأن رئيس وأعضاء مجلس بلدة عين منين التابعة لمنطقة التل في ريف دمشق تقدموا باستقالتهم الجماعية، معلنين الامتناع عن ممارسة مهامهم الرسمية، احتجاجاً على استمرار احتجاز عدد من أبناء البلدة على خلفية التوترات الأخيرة التي شهدتها المنطقة.

الشيباني: سوريا تدخل مرحلة جديدة من التعافي وإعادة الإعمار

أعلن وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، اليوم السبت، ان سوريا تدخل مرحلة جديدة من التعافي وإعادة الإعمار، فيما أكد على استحالة تحقيق الاستقرار الإقليمي في ظل الانتهاكات الإسرائيلية والاحتلال للأراضي السورية.