مقالات رئيس التحرير

سوريا على كف عفريت: قراءة تحليلية في واقع الإدارة السورية الجديدة وتحديات المرحلة الانتقالية

25.07.2026 | 13:13

يقدم رئيس التحرير نضال معلوف في هذا التحليل العميق رؤية نقدية للمشهد السوري الراهن، معتبراً أن البلاد تعيش في "فقاعة" كبرى من الأوهام التي تحاول الإدارة الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، تسويقها للداخل والخارج. يتناول التحليل الفجوة الهائلة بين الخطاب السياسي الطموح وبين الواقع الخدمي والمعيشي المتردي، محذراً من الانزلاق وراء سيناريوهات إقليمية قد تؤدي إلى تدمير ما تبقى من الدولة السورية.

أولاً: فلسفة "الفقاعة" والواقع السوري المزيف

يرى نضال معلوف أن السوريين يعيشون اليوم داخل فقاعة كبرى صممتها مراكز أبحاث وأجهزة مخابرات، حيث يتم إقناع الملايين بواقع غير موجود. هذه الفقاعة تتألف من عدة طبقات:

  • تحرير مفقود: تسمية ما جرى بالتحرير بينما الواقع لا يعكس سيادة حقيقية.
  • دولة ومؤسسات وهمية: حكومة ومسؤولون لا يملكون من أمرهم شيئاً على أرض الواقع.
  • تضخيم القوة: تصوير الإدارة الحالية كقوة إقليمية قادرة على تعديل موازين القوى في المنطقة، بينما هي عاجزة عن إدارة قطاع النفايات.

ثانياً: الفشل الإداري والخدمي (مستنقع القمامة والظلام)

يشدد معلوف على أن المعيار الحقيقي لنجاح أي إدارة هو قدرتها على تأمين الاحتياجات الأساسية للمواطن. ويسلط الضوء على عدة نقاط حرجة:

القطاع

الحالة الراهنة

الأسباب والنتائج

النظافة والبيئة

انتشار القمامة بشكل غير مسبوق (حريق جرمانا كمثال).

عجز الإدارة عن تقديم حلول مستدامة؛ التوقعات تشير إلى "الغرق في القمامة".

الكهرباء

تقنين حاد يطال حتى الأحياء الراقية (وسط دمشق).

فشل الخصخصة؛ الشركات تبحث عن ربح سريع والناس عاجزون عن الدفع.

المياه

وصول مدن كبرى (مثل حلب) إلى حافة العطش.

خطر انتشار الأوبئة نتيجة تراكم النفايات ونقص المياه.

الفساد

تعيينات مبنية على المحسوبية والرشاوى.

الإدارة أصبحت مثل "المصفاة المخروقة" التي تهدر الموارد.

ثالثاً: وهم التدخل الإقليمي وسيناريو لبنان

ينتقد معلوف بشدة الطروحات التي تتحدث عن دور سوري (بقيادة الشرع) في لبنان أو لمواجهة إيران وحزب الله. ويعتبر هذا الحديث "سخفاً" لعدة أسباب:

  1. عدم السيطرة الجغرافية: الإدارة لا تسيطر على الجنوب السوري، ولا على شرق سوريا (قسد)، ولا تملك قرار المليشيات في الشمال التابعة لتركيا.
  2. التكلفة البشرية والأمنية: أي استفزاز لإيران أو حزب الله سيجعل المدن السورية هدفاً للصواريخ والمسيرات، وهو أمر لا تطيقه البنية التحتية المتهالكة أصلاً.
  3. المقارنة الدولية: دول الخليج بكل جيوشها وقواعدها الأمريكية لم تغامر بدخول صراع مباشر، فكيف لإدارة "تعرج" ولم تلم زبالة شوارعها أن تفعل ذلك؟
  4. تضخيم ترامب للشرع: يرى معلوف أن تصريحات ترامب تهدف لتضخيم الفقاعة وإلهاء السوريين عن هدف بناء الدولة الحقيقية.

رابعاً: التنسيق الاستخباراتي والجذور الأيديولوجية

يشير معلوف إلى معلومات وشهادات (مثل شهادة العميل المزدوج بين القاعدة وMI6) تؤكد أن أحمد الشرع كان منسقاً مع أجهزة مخابرات دولية (العيون الخمس) منذ عام 2018. هذا التنسيق شمل التخلص من قيادات القاعدة، مما يضع علامات استفهام حول حقيقة "الثورة" المزعومة واستلام السلطة الذي بدا وكأنه "عملية تسليم واستلام" مرتبة دولياً وليس انتصاراً عسكرياً خالصاً.

 

 

خامساً: إشكالية "الجماعة الإسلامية" وبناء الدولة الوطنية

يطرح نضال معلوف سؤالاً جوهرياً: هل نجحت أي جماعة إسلامية في التاريخ الحديث في بناء دولة وطنية حديثة؟

  • النموذج الأفغاني: يعتبره معلوف "البعبع" أو النموذج المخيف الذي يجب تجنبه، فهو نموذج للفقر والجهل والانغلاق، ولا يمثل طموح الشعب السوري المنفتح بطبعه.
  • الإحصائيات: من بين 48 دولة ذات غالبية مسلمة، هناك 47 دولة تتبنى نموذج "الدولة الوطنية" (مؤسسات، دستور مدني، فصل سلطات)، بينما تنفرد أفغانستان بالنموذج الديني المتطرف.
  • التناقض الأيديولوجي: الجماعات التي تعتمد في حكمها على "الإمارة" أو "الشريعة" بمفهومها الضيق لا تؤمن بالحدود الوطنية ولا برفاهية المواطن كأولوية، بل تبحث عن "غنائم" لتعزيز قوتها.

سادساً: التمرد الداخلي وفشل "المكون الواحد"

يوضح التحليل أن المشكلة في سوريا ليست طائفية (سنة ضد علويين)، بل هي فشل إدارة. ويستشهد بما يحدث في شرق سوريا (الحسكة ودير الزور):

  • العشائر السنية التي كانت "ظهر الشرع" تعيش اليوم حالة تمرد نتيجة التهميش، الفساد، وسوء الخدمات.
  • الاحتجاجات في الحسكة تؤكد أن المواطن (بغض النظر عن دينه) يشعر بخطر وجودي نتيجة الفشل الإداري.
  • تغلغل النفوذ الإيراني وتنظيم الدولة في المناطق المهملة خدمياً هو نتيجة مباشرة لفقر الناس وحاجتهم.

سابعاً: خارطة الطريق المقترحة (من الفقاعة إلى الواقع)

يدعو نضال معلوف السوريين إلى عدم انتظار "بطل مخلص"، بل العمل على:

  1. تشكيل هيئات مدنية وأهلية: تمثيل المناطق (مثل مبادرة جوبر) لتمثيل مصالح الناس أمام السلطة القائمة.
  2. تفعيل النقابات: يشيد بوقفة نقابة أطباء حلب الاحتجاجية كنموذج للدفاع عن حقوق القطاعات المهنية في مواجهة تغول السلطة.
  3. المطالبة بالمرحلة الانتقالية: التركيز على إعادة الإعمار، تشغيل الاقتصاد، وبناء المؤسسات بدلاً من الانشغال بالصراعات الإقليمية.
  4. الوعي الشعبي: تحويل التجارب المريرة (عهد الأسد وعهد الشرع) إلى خبرة سياسية تمنع تكرار الاستبداد أو الاستحمار السياسي.

.

 


TAG: