قدم هذا التسجيل تلخيصاً شاملاً للتحليل الذي عرضه رئيس التحرير نضال معلوف، والذي يسلط الضوء فيه على الأزمة الهيكلية المركبة التي تواجهها إدارة أحمد الشرع في سوريا. تشير المعطيات إلى أن السلطة القائمة تعاني من "أزمة مزدوجة" تتألف من:
- أزمة إدارة الانتقال: المتمثلة في العجز والرفض التعمد لبناء مؤسسات مستقلة، وتوسيع المشاركة الوطنية، وإنهاء الترتيبات الاستثنائية.
- أزمة الحكم: الناتجة عن أزمة إدارة الانتقال، والتي تتجلى في شلل الفاعلية الحكومية، وفشل الاستجابة للخدمات الأساسية، وتآكل شرعية الأداء أمام الشارع.
كما يتطرق التقرير إلى تفكك الملفات الاقتصادية والعقارية، وآليات التعامل مع ملف إعادة الإعمار بمنطق "الغنائم"، بالإضافة إلى المخاطر الأمنية الناجمة عن عدم ضبط السلاح، والتخبط في السياسة الخارجية عبر الانخراط في تجاذبات المحاور الإقليمية.
أولاً: أزمة إدارة الانتقال (الخلل البنيوي الأساسي)
أوضح نضال معلوف أن أصل المشكلات المتفاقمة في سوريا لا يعود فقط إلى القرارات الخاطئة والفساد اليومي، بل إلى "خلل بنيوي" في مفهوم المرحلة الانتقالية ومدى التزام الإدارة بمهامها الرئيسية. وتتلخص مهام إدارة الانتقال في ثلاثة أركان غائبة تماماً عن أداء إدارة الشرع:
- بناء المؤسسات المستقلة: المفترض في الإدارة الانتقالية العمل على بناء مؤسسات مستدامة تعمل بصرف النظر عن الأشخاص. بينما المشهد الفعلي يشير إلى احتكار السلطة والمؤسسات من قبل لون سياسي وفصائلي واحد (هيئة تحرير الشام / الجماعة الحاكمية) يهدف إلى الحفاظ على مكاسب الجماعة فقط.
- توسيع المشاركة والمحاسبة: الإصرار على النهج الإقصائي المتعمد ضد الكفاءات والخبراء والمكونات المحلية، وتجاهل المبادرات السياسية والمدنية (مثل الشكاوى اليومية من إقصاء أصحاب الكفاءات العلمية، ونداءات أهالي الرقة ليديروا مناطقهم بأنفسهم).
- إنهاء الترتيبات الاستثنائية: عجز السلطة عن وضع جدول زمني لتفكيك الأدوات الاستثنائية (مثل الإعلان الدستوري، الصندوق السيادي، وجهاز الأمن العام) وتسليم المسؤوليات ضمن قواعد قانونية معلومة ومستقرة.
ثانياً: أزمة الحكم والانهيار الإداري والخدمي
يتناول التحليل تداعيات الفشل الانتقالي على الواقع اليومي، حيث تحولت إدارة البلاد إلى حالة "سريالية" قائمة على ردود الأفعال العشوائية. وتنشأ أزمة الحكم من ثلاثة مسارات:
1. أزمة الفاعلية الحكومية (غياب السياسات التنفيذية)
- ملف أبار درعا: ردم وتشميع آلاف الأبار الزراعية بدلاً من وضع سياسات مائية متوازنة، مما تسبب في قطع أرزاق آلاف المزارعين، وارتفاع أسعار مياه الشرب، وتفجر الوقفات الاحتجاجية.
- ملف الدراجات النارية في دمشق: إرغام المواطنين أولاً على تنمير الدراجات وتركيب المرايا وارتداء الخوذ، ثم إصدار قرار مفاجئ بمنع دخولها إلى العاصمة، مما أضر بالقطاعات الاقتصادية التي تعتمد عليها في ظل أزمة الوقود وغلاء المعيشة.
- فضيحة الوقود المغشوش: توزيع بنزين ومازوت مغشوش على نطاق وطني واسع أدى إلى تعطيل آلاف السيارات والمحركات، وهو ما يعكس التخطيط السيئ والاحتيال على المواطنين لتغطية العجز في الإمدادات النفطية.
- الفساد والتكسّب الفصائلي: إغلاق الأفران العامة والخاصة بحجج واهية وسحب تراخيصها لإعادة منحها لأفراد من "الجماعة الحاكمة"، إضافة إلى ممارسات الابتزاز المالي، كفرض مبلغ 40 ألف دولار على الشركات لمجرد حجز رف في جناح "الهوية البصرة" بمعرض دمشق الدولي.
2. أزمة الاستجابة
شلل السلطة عن الاستجابة للشكاوى المتزايدة، مما أدى إلى اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية لتشمل قطاعات المعلمين، والطلاب، والأطباء، والعاملين في المجال الديني (الأئمة والمؤذنين).
3. تاكل شرعية الأداء
تحول حالة الثقة المبدئية التي منحتها بعض الشرائح للإدارة بعد سقوط النظام السابق إلى حالة من السخط الشامل والرفض الشعبي؛ لعدم قدرة الإدارة على تأمين أدنى مقومات الحياة.
ملخص مقارن بين أزمتي الانتقال والحكم
|
وجه المقارنة |
أزمة إدارة الانتقال |
أزمة الحكم (الناتجة عنها) |
|
المفهوم |
الرفض التعمد لإنشاء هياكل وطنية وشاملة ومستقلة. |
الفشل في إدارة الخدمات وتسيير شؤون الدولة اليومية. |
|
المظاهر |
احتكار السلطة لـ "الجماعة"، غياب الشفافية، الاستمرار في الإجراءات الاستثنائية. |
شلل القطاعات، القرارات العشوائية، انتشال الفساد، والاحتيال الخدمي (البنزين المغشوش). |
|
الأثر الاجتماعي |
إقصاء الخبرات الوطنية والمكونات المحلية والإقليمية. |
اتساع الاحتجاجات النمطية، وفقدان الأمن المعيشي، وتآكل الشرعية الشعبية. |
رابعاً: حقوق الملكية، وإعادة الإعمار، والعدالة الانتقالية
سلّط نضال معلوف الضوء على خطورة تعاطي "إدارة الشرع" مع ملف الأراضي والاستملاك وإعادة الإعمار:
- تجاهل العدالة الانتقالية العقارية: العجز عن معالجة ملفات الاستملاك المعقدة منذ عقود (مثل مناطق المزة، ودمر، ومعضمية الشام) والتعامل معها ببرود وإهمال، ما دفع الأهالي والمستثمرين للتصادم المباشر.
- الانحراف في مفهوم إعادة الإعمار: النظر إلى المناطق المهدمة (مثل جوبر والقابون وأفاميا) كـ "غنائم حرب" ومشاريع استثمارية ربحية للشركات والجماعة الحاكمة، بدلاً من التعامل معها كحقوق وطنية وإنسانية تحكمها المعايير الدولية والترتيبات الشاملة.
- مقايضة الحقوق: إجبار الأهالي على إدخال مستثمرين كشركاء في أملاكهم العقارية بنسب إجبارية، مما يهدد بتهجير السكان الأصليين وتغيير طبيعة المناطق ورهن مصيرها للمستثمرين.
خامساً: التوترات الأمنية والتخبط في السياسة الخارجية
1. الفلتان الأمني الداخلي
- تصاعد الصدامات المسلحة والتوترات الأمنية والطائفية في السقيلبية، والسويداء، ودرعا (اشتباكات الصنامين والاعتداء على السيدات)، والحسكة (التوترات بين العرب والإدارة الكردية بـ غويران ودوار السلام).
- استهداف خطوط النفط (في الحسكة والضمير)، وانفجار مستودعات الذخيرة، مما يفند ادعاءات المسؤولين (كالشيباني والشرع) بحصر السلاح وبناء نموذج أمني ناجح.
2. المخاطرة والارتهان الخارجي
- تسريبات القوات السورية في اليمن: أكد معلوف أنه بالرغم من النفي الرسمي السوري لتسريبات وكالة "رويترز" حول طلب سعودي لإرسال قوات سوريه إلى اليمن، إلا أن حضور وزير الدفاع ومستشار الأمن الوطني في مباحثات السعودية يثبت الطابع الأمني والعسكري للزيارات.
- طبيعة القوات السورية: تشير التحليلات إلى أن ما يسمى "الجيش السوري" الحالي هو مجرد فصائل مدمجة لم تصل لمستوى الجيش الوطني العقائدي والتنظيمي، وغير قادرة عسكرياً أو سياسياً على خوض معارك إقليمية معقدة في اليمن أو غيرها.
- تبعات إقحام سوريا في سياسة المحاور: الترويج المباشر أو غير المباشر لدور عسكري لسوريا في حروب إقليمية (اليمن، لبنان، العراق) يدمر أي ميزة تفضيلية للاستثمار، ويطرد رؤوس الأموال، ويحرم البلاد من الاستقرار الاقتصادي والخدمي.."
يخلص نضال معلوف إلى أن إدارة أحمد الشرع وضعت نفسها في اختناق سياسي وأمني واقتصادي نتيجة الإصرار على النهج الفصائلي والعجز عن التحول إلى دولة المؤسسات. إن الرهان على امتصاص غضب الشارع عبر الحلول الترقيعية أو قطع الوعود الخارجية لم يعد قابلاً للاستدامة؛ حيث وصلت الإدارة إلى حالة "تاكل الشرعية" أمام كافة القطاعات الشعبية والمدنية. ، وإن الخروج من هذه الأزمة المزدوجة يتطلب العودة الكاملة إلى "بنيه الحل الوطنية"، عبر بناء مؤسسات مستقلة، وتوسيع المشاركة، وإنهاء حالة التردي الإداري والاحتكار الفصائلي، قبل وصول البلاد إلى حالة الفوضى الشاملة.
























