في تشخيص دقيق للمشهد السوري الراهن، أطل الصحفي والباحث السياسي خالد أبو صلاح عبر برنامج "سوريا اليوم" على شاشة تلفزيون سوريا مع المحاور محمد دوبا، ليضع إصبعه على الجرح الأكثر إيلاماً في مرحلة ما بعد التحرير.
ملف "العدالة الانتقالية " : انطلق أبو صلاح من رؤية تحليلية معمقة مفادها أن غياب مسار قضائي واضح للمحاسبة لا يهدد فقط السلم الأهلي، بل يؤدي حتماً إلى "تآكل الشرعية الثورية" وضياع الثقة بين السلطة والشارع. وحذر من أن هذا الشرخ، في ظل القهر والفقر وتفشي "تعويم المجرمين"، يخلق بيئة خصبة لـ "الارتكاسة نحو العنف"، مؤكداً أن صمت الناس ليس شيكاً على بياض، بل هو ترقب لعدالة طال انتظارها.
نقد النموذج السوري: "تسييس الأدوات القانونية"
أوضح أبو صلاح أن علم دراسة النزاعات حدد نماذج للعدالة الانتقالية (عقابية، تصالحية، ومجتمعية)، تشترك جميعها في ركيزة واحدة: البدء برؤوس الهرم. ومع ذلك، رصد أبو صلاح خللاً بنيوياً في الواقع السوري الحالي يتمثل في "تسييس الأدوات القانونية":
المبدأ العالمي المستقر: نجاح أي انتقال ديمقراطي يرهن بـ "الضرب بيد من حديد" على أكابر المجرمين من القيادات العسكرية والسياسية والواجهات الاقتصادية ، مع إبداء مرونة تصالحية مع الصغار لضمان دمج المجتمع.
المفارقة السورية: ما يجري حالياً هو ملاحقة "الصغار" أو الموظفين، بينما يتم منح "حصانة" غير معلنة لكبار المجرمين الذين شكلوا "ماكينة الموت" الأسدية، وهو ما يعد التفافاً خطيراً على جوهر العدالة.
ملف "تعويم المجرمين": محمد حمشو والاستثمار في الركام
توقف أبو صلاح عند حالة رجل الأعمال محمد حمشو بوصفها النموذج الأكثر فجاجة لاستفزاز مشاعر الضحايا. فبعد تضليل الرأي العام بشائعات هروبه، تبيّن أنه يحظى بحماية رسمية في دمشق لإنجاز تسويات مشبوهة. وشدد المحلل السياسي على أن خطورة حمشو تتجاوز "الفساد المالي" إلى "جرائم الحرب":
تمويل القتل: كونه واجهة مالية وممولاً مباشراً للميليشيات التي فتكت بالسوريين.
التضليل الممنهج: عبر قناتي "الدنيا" و"سما" اللتين بررتا المجازر لسنوات.
إعادة تدوير الجريمة: يسيطر حمشو حالياً على "حديد" الركام في المدن المدمرة، ليعيد تدوير مخلفات البيوت التي قصفها النظام ويهجّر أهلها، مستخدماً عوائدها في دعم أركان النظام المخلوع.
"محمد حمشو مجرم حرب وليس سارق حديد فقط، ووضعه في واجهة المشهد هو استهتار فج بدماء الضحايا ووضع للسكين في الجرح والضغط عليها بالملح."
خريطة الشخصيات الجدلية والانتهاكات الموثقة
سرد أبو صلاح قائمة بشخصيات اعتبر وجودها في المشهد العام دليلاً على خلل المسار القضائي الحالي:
|
الاسم |
الدور / الانتهاكات الموثقة (حسب معطيات أبو صلاح) |
|
فرحان المرسومي |
أحد أذرع إيران وقادة الميليشيات؛ ظهر يفتتح مشاريع سكنية في "يعفور" برعاية رسمية، رغم تاريخه كأحد أدوات التغلغل الميليشياوي. |
|
عزيز ديوب |
مدير حالي في وزارة السياحة؛ كان واجهة مالية للعقيد هيثم الفندي (مسؤول مجزرة الفندي بحمص). وهو شقيق يزن ديوب، أحد قادة "الفلول" الذين قادوا محاولات انقلابية في الساحل وقتلوا عناصر من الأمن العام. |
|
وائل حسين عقيل |
مسؤول عن اعتقال وتصفية ناشطين (منهم الشهيدين سعد غليون وعامر الحاج هاشم). كان مسؤول معابر في ريف حمص (2015-2017) يبتز المدنيين بـ 10,000 دولار عن كل سيارة، ويتمتع اليوم بحماية ضباط في دمشق. |
التناقض المؤسساتي: "سويسرا الإلكترونية" مقابل عجز المحاسبة
وجه أبو صلاح نقداً لاذعاً للانتقائية القانونية، مشيراً إلى مفارقات صارخة في أداء المؤسسات:
وحدة الجرائم الإلكترونية: سخر أبو صلاح من كفاءتها المفاجئة قائلاً: "صرنا أهم من سويسرا" في سرعة اعتقال الناشطين (مثل حسان العقاد) بسبب منشورات، بينما تعجز "بشكل مريب" عن تنفيذ مذكرات إحضار قضائية بحق مجرمين مثل وائل عقيل، المحمي من قبل "ملازم أول" في ذات الوحدة قام برفع تقارير كيدية ضد الضحايا.
تجاوز الدستور: انتقد إصدار مئات المراسيم الرئاسية التي تتجاوز صلاحيات "الإعلان الدستوري" دون انتظار مجلس الشعب، في حين يُتحجج بـ "انتظار القانون" والبيروقراطية فقط عندما يتعلق الأمر بمحاسبة القتلة أو الكشف عن مصير 300 ألف معتقل و95 ألف مذكرات إعدام.
رسائل استراتيجية إلى السلطة والجمهور
في ختام مداخلته، وجه أبو صلاح رسائل حاسمة ترسم ملامح المرحلة القادمة:
إلى السيد الرئيس أحمد الشرع: ذكّره بأن السوريين لم يثوروا لاستبدال "فرد بآخر"، بل لبناء دولة مؤسسات لا حصانة فيها لأحد. طالبه بإلغاء المراسيم الجائرة التي تمنع المهجرين من العودة، وعلى رأسها المرسوم 66، مؤكداً أن قوة الرئيس تستمد من حماية حقوق "أولياء الدم" لا من تعويم "أراذل النظام".
إلى الجمهور السوري: شدد على ضرورة التمسك بـ "السلمية" والابتعاد عن الفوضى، محذراً من أن "أخذ الحق باليد" يضيع قدسية القضية. كما أكد على المبدأ الأخلاقي "لا تزر وازرة وزر أخرى"، داعياً للضغط الشعبي الواعي لفرض العدالة.
الخاتمة: التحذير من الانفجار الكبي
اختتم خالد أبو صلاح تحليله بتحذير استراتيجي للسلطة: إن الإصرار على فرض وجوه مثل حمشو والمرسومي وديوب هو "ضرب في نص القلب" وتحدٍ لإرادة شعب أسقط أعتى نظام أمني. هذا المسار لن يؤدي إلا إلى انفجار شعبي لا يمكن احتواؤه، فمن غير المقبول أن يسود "مجرمو الحرب" على دماء السوريين من جديد تحت غطاء "التسويات" الواهية.