تدجين "الإرهاب" بين الفصائل الجهادية وتشكيل البرلمان في سوريا
03.07.2026 | 00:45
يقدم رئيس التحرير نضال معلوف في هذا التحليل رؤية نقدية ومراجعة شاملة للمشهد السوري الراهن بعد وصول هيئة تحرير الشام، بقيادة أحمد الشرع (الجولاني)، إلى سدة السلطة. يتناول التحليل استراتيجيات "التدجين" الدولية، وتشكيل مجلس الشعب الجديد، ومنطق "الغلبة" الذي يحكم تعامل السلطة الحالية مع المجتمع السوري، محذراً من تحول الشعب السوري إلى "مختبر" لتجارب سياسية دولية لا تهدف بالضرورة إلى بناء دولة مدنية موحدة.
يرى نضال معلوف أن وصول الفصائل الجهادية إلى السلطة لم يكن وليد الصدفة، بل هو جزء من استراتيجية دولية (تقودها الولايات المتحدة وقوى غربية) انتقلت من المواجهة العسكرية المباشرة مع "الإرهاب" إلى استراتيجية "الاحتواء".
الملامح الرئيسية لهذه الاستراتيجية بحسب التحليل:
منطق القوة:الرسالة الدولية الموجهة اليوم هي أن من يمتلك القوة والقدرة على الإيذاء وتشكيل خطر على الأمن العالمي هو من يُعطى فرصة للاحتواء والمشاركة السياسية، بغض النظر عن مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان.
نموذج الاتحاد السوفيتي:يتم تطبيق ذات الأسلوب الذي استُخدم لتفكيك الخطر الشيوعي عبر دمج العناصر المتشددة في عمليات سياسية تؤدي في النهاية إلى تذويب أيديولوجيتها أو إشغالها بصراعات داخلية.
سوريا كـ "مختبر":يُنظر إلى المجتمع السوري اليوم كمختبر لاختبار مدى إمكانية تحول حركات سلفية جهادية إلى كيانات سياسية تدير "دولة"، مع تحمل الشعب السوري لتبعات هذا الاختبار القاسية.
ثانياً: مجلس الشعب.. ليفل جديد من "اللعبة" السياسية
يعتبر معلوف أن الإعلان عن تعيين أعضاء مجلس الشعب (البرلمان) يمثل مرحلة جديدة في تجربة تدجين السلطة الحالية.
وجهة النظر
التقييم بحسب التحليل
منظور أصحاب التجربة (الخارج)
نجاح باهر؛ لأنهم دفعوا فصيلاً سلفياً جهادياً لقبول فكرة البرلمان والانتخابات (حتى لو كانت صورية).
منظور السلطة الحالية (الجماعة)
أداة لتقوية "الجماعة" وخلق واجهة مدنية تماهياً مع الضغوط الدولية، مع الاحتفاظ بـ "الدولة الموازية".
منظور الشعب السوري
حالة من الانقسام بين مستفيد من الموجه، ومراقب متعب يخشى تجدد الصراعات، ومعارض يرى فيه مجلساً "للمعينين والمصفقين".
ثالثاً: منطق "المنتصر" في خطاب السلطة (تحليل المؤتمر الصحفي)
توقف نضال معلوف مطولاً عند تصريحات محمد طه الأحمد، رئيس اللجنة العليا للانتخابات، معتبراً إياها كاشفاً حقيقياً لعقلية "الجماعة" التي تحكم سوريا اليوم.
أبرز النقاط المستخلصة من تصريحات السلطة:
المكرمة والمنّة:الخطاب الرسمي لا يرى البرلمان كحق أصيل للشعب، بل كـ "منحة" وتنازل من "المنتصرين".
غياب المحاسبة:أقرّ الأحمد بأن المجلس لا يملك صلاحية محاسبة السلطة التنفيذية، بل يكتفي بـ "جلسات استماع" وتقديم توصيات لجهات أخرى.
شرعية الغلبة:التأكيد على أن "المنتصرين" كان بإمكانهم الحكم عبر "مجلس قيادة ثورة" عسكري، لكنهم ارتأوا تشكيل برلمان تقديراً "لعظمة الشعب".
تأخير "الصيانة":برر الأحمد تأخير تشكيل المجلس لأكثر من عام بأسباب تتعلق "بصيانة وترميم المبنى"، وهو ما وصفه معلوف بالعذر الواهي الذي يعكس عدم الجدية في تفعيل الحياة السياسية
"يحق للمنتصرين أن يشكلوا مجلساً أعلى لقيادة الدولة وتناط بهم جميع الصلاحيات، ولكن لعظمة الشعب السوري ارتأت القيادة متمثلة بفخامة الرئيس أحمد الشرع أن يكون هناك مجلس شعب" — محمد طه الأحمد.
رابعاً: صراع "الجماعة" مقابل "الدولة"
يشرح رئيس التحرير الفرق الجوهري بين ما تطمح إليه الشعوب (الدولة المدنية) وما تمارسه الفصائل الجهادية عند وصولها للسلطة (دولة الجماعة).
الدولة الموازية:تعمد هذه الحركات إلى إنشاء مؤسسات تبدو مدنية (وزارات، برلمان، نقابات) كواجهات، بينما تُدار القرارات الحقيقية، السياسية والاقتصادية، من قبل "دولة الظل" أو "دولة المشايخ والأمنيين" لخدمة تقوية الجماعة لا رفاهية المواطن.
الاستعلاء الأيديولوجي:تعتمد الجماعة منطق الإملاء والفرض بناءً على عقيدة مطلقة، بينما تعتمد الدولة المدنية على "النسبية" والمشاركة، وهو تناقض يجعل تحول هذه الفصائل إلى دولة مدنية حقيقية أمراً شبه مستحيل تاريخياً.
خامساً: تداعيات المشهد على وحدة سوريا ومستقبلها
يخلص نضال معلوف إلى نتائج مقلقة حول مآلات هذا المسار السياسي:
تكريس الانقسام:البرلمان الحالي، بطريقة تعيينه، كرس الشروخ المجتمعية. فتمثيل مناطق مثل السويداء أو الساحل أو المكون الكردي عبر شخصيات يراها المجتمع المحلي "تابعة للسلطة" أو "خائنة لمصالح المنطقة" يؤدي إلى عزل هذه المكونات عن المركز بدلاً من جذبها.
استحالة الحكم الموحد:يؤكد التحليل أن "الشرع وجماعته" لا يمكنهم حكم سوريا واحدة موحدة؛ لأن أيديولوجيتهم ومنطق الغلبة لديهم سيدفع المكونات الأخرى للمقاومة أو الانفصال الفعلي.
الاستنزاف المستمر:سواء نجحت تجربة "التدجين" أو فشلت، فإن النتيجة هي استنزاف المجتمع السوري في تجربة قاسية قد تنتهي بتدمير ما تبقى من مؤسسات الدولة وتحويل سوريا إلى ساحة صراع ممتد بين قوى إقليمية ودولية.