سورية الجديدة: مخاض الانتقال وتحديات بناء الدولة - قراءة في رؤية خالد أبو صلاح

05.04.2026 | 15:50

نقف اليوم في الثامن عشر من آذار (مارس) 2026، لنحيي الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، وفي قلوبنا غصة وفي عقولنا ألف سؤال. فبعد مرور عام ونصف على لحظة السقوط التاريخية لنظام الأسد في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024، تبدو سورية وكأنها تخوض حرباً من نوع آخر؛ حرباً ضد إرث الاستبداد المتربص في هياكل السلطة الجديدة.

لقد كانت لحظة السقوط هي اللحظة التي انكسرت فيها "الهزيمة الداخلية" للأبد، لكن التحدي الاستراتيجي الذي يواجهنا اليوم ليس في إزاحة الطاغية، بل في الانتقال من "حالة الثورة" العاطفية إلى "بنية الدولة" المؤسساتية.

إن رؤية الناشط والباحث خالد أبو صلاح، المستمدة من عمق التجربة الميدانية والأكاديمية، تضعنا أمام مرآة الحقيقة: إن شرعية الثورة لا تُستمد من "فزعة" عفوية لدرعا، بل من الوعي الوطني الشامل الذي تجسد في 18 آذار؛ التاريخ الذي اختار فيه السوريون بوعي سياسي نضج عبر الدماء تحطيم قيود "حكم الفرد". واليوم، ونحن في عام 2026، نرى أن هذا الوعي مهدد بالضياع داخل دهاليز "المسخ الهيكلي" الذي بدأ يتشكل في دمشق.

أزمة الشرعية والمؤسسات: من حكم الفرد إلى فخ "الإدارة المؤقتة"

إن جوهر الإخفاق الحالي يكمن في تغييب الإطار الدستوري والقانوني السليم للمرحلة الانتقالية. فقد بدأ أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) عهده بوعود لنبذ "حكم الفرد"، لكن واقع الحال بعد "مؤتمر النصر" كشف عن فجوة مخيفة؛ حيث تركزت الصلاحيات في يد سلطة تنفيذية باتت تملك نفوذاً يتجاوز "صلاحيات الولي الفقيه في إيران".

لقد تحولت الدولة إلى ما يسميه أبو صلاح "المسخ الهيكلي" الذي يفتقر للشفافية والمشاركة.

ويمكن تفصيل "الاختلالات الثلاثة القاتلة" في نموذج الحوكمة الحالي كما يلي:

غياب المؤتمر الوطني العام: تم تهميش الجسر التمثيلي الحقيقي الذي يربط القيادة بالشعب، مما جعل السلطة عارية أمام الأزمات دون وجود وسيط مؤسساتي يمتص الاحتقان ويشارك في القرارات السيادية.

التغول التنفيذي السافر: تكمن الكارثة في قيام السلطة التنفيذية بتعيين اللجان التي تصيغ القوانين واللجان القضائية، وهو ما ينسف مبدأ الفصل بين السلطات المعمول به منذ قرون، ويحول القضاء والتشريع إلى أدوات في يد "الزعيم".

دولة "المراسيم السلطانية": الاعتماد الكلي على المراسيم المرتجلة بدلاً من التشريعات المؤسساتية. ففي عامي 2025 و2026، صدرت عشرات المراسيم التي غيب أغلبها عن العلن، مما أعاد إنتاج ثقافة "القصر" بدلاً من "الدولة".

 

معضلة العدالة الانتقالية: جرح الهوية ومطالب المحاسبة

تمثل العدالة الانتقالية "العمود الفقري" للسلم الأهلي، وأي قفز فوقها هو دعوة مفتوحة لحروب أهلية قادمة.

يوجه أبو صلاح نقداً لاذعاً لسياسة "التسويات" الحالية التي تعقد مع مجرمي حرب مثل فادي صقر ووائل عقيل، بينما يهمش الثوار الحقيقيون. والمثال الصارخ على هذا الاستهتار هو وفاة العميد المنشق أحمد الفج قبل أيام دون نيل مستحقاته، في مقابل المشهد السريالي الذي شهده "يوم التحرير"، حيث قام وزير الدفاع بتكريم ابن محمد حمشو في حفل فروسية، ليصبح رموز الفساد القديم هم وجوه "سورية الجديدة".

إن العدالة ليست "عفا الله عما سلف" القسري، بل هي مسار يتكون من خمس مراحل بنيوية:

كشف الحقيقة: تبريد قلوب الأمهات بمعرفة مصير المفقودين.

المحاسبة والمساءلة: منع إفلات القتلة من العقاب تحت مسميات "التسوية".

جبر الضرر: تعويض الضحايا مادياً ومعنوياً كأولوية على "الاستثمارات".

إصلاح المؤسسات: تطهير أجهزة الأمن من عقيدة "البعث".

بناء السلام والمصالحة: الوصول لتعايش قائم على الحق لا على تزوير الواقع.

 

الجغرافيا السورية المشتعلة: استعصاء السويداء وفتنة الساحل

أثبتت أحداث العام الماضي أن السلطة الجديدة تعاني من "جهل تاريخي" في التعامل مع المكونات السورية. ففي السويداء، أدى ارتكاب مجزرة 15 تموز إلى خلق ما يعرف بـ "الصدمة المختارة" ، وهي جرح هوياتي يجمع المجتمع ضد المركز. لقد تجاهلت السلطة تاريخ السويداء الذي لا يقبل الإملاءات العسكرية، ونسيت دروس التمرد ضد "الشيشكلي" و"إبراهيم باشا"، مما حول مجتمعاً كان ثلثاه مع التغيير إلى كتلة صلبة معارضة للمركز.

أما في الساحل، فيحذر أبو صلاح من الخلط بين الجناة وبين الطائفة العلوية التي اتخذها النظام "خزاناً بشرياً" وقوداً لحربه.

إن الفشل في طمأنة الساحل عبر دولة الحق والقانون دفع المنطقة إلى مربع الخوف والارتهان للفلول، وهو فخ استراتيجي يهدد وحدة التراب السوري.

 

الاقتصاد والفساد الجديد: استنساخ "رامي مخلوف"

في مشهد يعيد للأذهان سطوة "شركة شام القابضة"، برزت شركة "اكتفاء" كذراع احتكاري جديد يبتلع مقدرات البلاد. ويسلط أبو صلاح الضوء على الدور المريب لـ باسل سويدان، الذي يجمع في مفارقة صارخة بين منصب نائب وزير الزراعة، ورئيس لجنة الكسب غير المشروع، ومدير شركة "اكتفاء" الخاصة التي تستحوذ على المشاريع الحكومية دون مناقصات.

وجه المقارنة

رؤية "الاستثمار" الحالية (أحمد الشرع)

رؤية "الإعمار المركزي" (خالد أبو صلاح)

المنهج

الاعتماد على مستثمرين أفراد ومحاسيب السلطة.

خطة وطنية شاملة تقودها الدولة (نموذج مارشال).

التمويل

رفض القروض الدولية بحجج واهية (الربا/السيادة).

الاقتراض المدروس لإعادة بناء البنية التحتية فوراً.

الشفافية

احتكارات لشركات مثل "اكتفاء" (مخلوف 2.0).

مناقصات علنية وإشراك الرأس مال الوطني المغترب.

النتائج

تعميق "الحرمان النسبي" والجوع لدى 90% من الشعب.

خلق فرص عمل حقيقية وربط الإعمار بالاستقرار.

 

خاتمة: المسار نحو دولة حقيقية أو السقوط في "المستنقع"

إن القيادة في دمشق اليوم أمام اختبار الإرث؛ فإما كتابة أسمائهم بمداد من ذهب كبناة لدولة المؤسسات، أو التمسك بكراسي السلطة المؤقتة حتى يبتلعهم التاريخ. إن خارطة طريق الإنقاذ التي يطرحها خالد أبو صلاح تتطلب:

تحويل الشرعية من "نصر عسكري مؤقت" إلى شرعية مؤسساتية مستدامة.

إعادة الاعتبار لـ المؤتمر الوطني العام كجسم رقابي وتشريعي حقيقي.

تفعيل الفصل بين السلطات وإنهاء حقبة المراسيم الفردية التي استنزفت رصيد التحرير.

لقد حذر أبو صلاح، ونحن اليوم نلمس صدق تحذيره، بأن سورية بلد مدمر لا يحتمل نشوة المنتصر، وبأن الطريق الوحيد للنجاة هو إدراك أن:

"حكم سورية اليوم هو مغرم (مسؤولية وعبء) وليس مغنم (جائزة وغنيمة)؛ ومن يبحث عن المغانم وسط ركام بلاده، لن يحصد سوى الخيبة والزوال."

 



Contact
| إرسال مساهمتك | نموذج الاتصال
[email protected] | © 2025 syria.news All Rights Reserved