فك شفرة الخوف: قراءة في شهادة "أبو وليم" حول سجن الصمت السوري والعنف الثقافي
01.06.2026 | 20:20
يقدم "أبو وليم"، في مداخلته مع الإعلامي نضال معلوف، تحليلاً عميقاً ومعمقاً للواقع السوري الراهن، مركزاً على البنية الاجتماعية والنفسية للطائفة العلوية بشكل خاص والسوريين بشكل عام. يتناول اللقاء مفهوم "حكمة السكوت" كنوع من العنف الثقافي الذي يمارسه المجتمع على أفراده، مستعرضاً التحولات الاقتصادية والسياسية التي أدت إلى انسداد الأفق في الساحل السوري.
الانهيار الاقتصادي واحتكار السلطة في الساحل
يوضح "أبو وليم" أن الساحل السوري شهد تحولاً جذرياً منذ عام 2011؛ حيث انهار المصدر المعيشي الأساسي لغالبية الشباب (الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و55 عاماً) والذين كانوا يشكلون عماد الجيش والمؤسسات العسكرية.
أهم النقاط المرصودة:
تبخر الوظائف: تحول آلاف الموظفين في القطاع العسكري والصحي العسكري إلى عاطلين عن العمل دون رواتب أو بدائل.
انعدام البنية التحتية: لجأ الكثيرون إلى القرى، لكنهم اصطدموا بغياب أي بنية تحتية تدعم المشاريع الصغيرة، نتيجة سياسات التهميش التاريخية للريف.
احتكار آل الأسد: يؤكد الضيف أن الساحل محكوم كلياً من قبل آل الأسد وحلفائهم، حيث تُقمع أي مبادرة فردية اقتصادية ما لم تمر عبر أسماء محددة مثل وسيم أو هارون الأسد.
خصخصة الاقصاء: جرت عمليات تسريح واسعة تحت مسمى الخصخصة، طالت العلويين والدروز والمسيحيين، مما أدى لانتشار الفقر وصولاً إلى حافة المجاعة.
غياب "الأعيان" وعجز "الحكم الذاتي"
ينتقد "أبو وليم" فكرة "الحكم الذاتي" في الساحل ضمن الظروف الحالية، معتبراً أنها غير ممكنة لغياب البنية التنظيمية.
المقارنة مع السويداء: يرى الضيف أن المجتمع في السويداء استطاع حماية نفسه بوجود قيادة مثل "الشيخ الهجري" الذي قاد النضال ونظم المجتمع.
غياب المرجعية العلوية: يرى أن العلويين فقدوا الارتباط بـ "الأعيان" والطبقات المثقفة القادرة على إدارة الرأي العام، معتمداً بدلاً من ذلك على "عصبية السلطة" التي كرسها حافظ الأسد، والتي جعلت الفرد يؤمن بأن الدولة هي الراعي الوحيد.
فشل القيادات الحالية: يشير إلى غياب الإجماع حول شخصيات مثل "الشيخ غزال غزال"، وعجز أي جهة عن المطالبة بآلاف الأسرى والمفقودين العلويين في سجون الفصائل.
مفهوم العنف الثقافي و"حكمة السكوت"
يمثل "العنف الثقافي" جوهر أطروحة "أبو وليم"، حيث يصفه بأنه وسيلة السوريين لسجن أنفسهم وتبرير عجزهم.
تدمير البديل: قامت السلطة تاريخياً بسحق أي صوت مستقل (أستاذ، كاتب، طالب) ليكون عبرة لغيره، مما زرع فكرة أن "البديل دائماً أسوأ" (داعش، الفوضى، الحرب الأهلية).
قتل الثقة: انعدمت الثقة بين الجار وجاره وبين الأصدقاء خوفاً من الوشاية، مما جعل الصمت خياراً وجودياً.
سلطة "الجماعة": يرى الضيف أن الخروج عن رأي الجماعة (العائلة أو الطائفة) يعتبر "موتاً اجتماعياً". وتستخدم الجماعة لغة المحبة ("خوفاً عليك" أو "بلا وجعة راس") لممارسة القمع وإعادة إنتاج الخوف.
الواقع تحت سلطة "الجولاني" والتحول الديموغرافي
لم تقتصر انتقادات الضيف على نظام الأسد، بل شملت سلطة "هيئة تحرير الشام" والجولاني، معتبراً إياها الوجه الآخر للعنف الثقافي:
استخدام "جيش من المؤثرين" على تيك توك لتبرير الانتهاكات.
ممارسة منطق "القبيلة المنتصة" التي غنمت الدولة وتتعامل بأسلوب الترهيب والتغييب القسري.
سياسة "القتل بصمت" عبر تفتيت المجتمعات وإخفاء الحقائق.
رؤية للحل: مآلات المستقبل
يرى "أبو وليم" أن الحل الوحيد لتفادي "مستقبل أسود" يفوق التوقعات يكمن في:
التسيير الذاتي: تشكيل لجان محلية صغيرة من الشباب المنسقين لإدارة شؤون مناطقهم وتوثيق حقوقهم بعيداً عن مؤسسات السلطة التي تعمل على التغيير الديموغرافي.
التدويل: تنفيذ القرار الأممي 2254 تحت إشراف ورعاية دولية كاملة، ونشر قوات أمم المتحدة لفك الاشتباك المجتمعي.
تحطيم الصمت: ضرورة انتقال المجتمع من "الهمس" إلى الكلام بصوت عالٍ وتسمية الأشياء بمسمياتها، وكسر حاجز الخوف من المجهول.
يختتم "أبو وليم" تساؤله الموجه للرأي العام: "متى سيصبح الوجع أكبر من الخوف من المجهول؟" مؤكداً أن لحظة التغيير يصنعها الناس الذين يقررون كشف الجرح ومواجهة الواقع مهما كلف الأمر.