استعرض في هذا التحليل التحولات المتسارعة في مناطق سيطرة "سلطة الأمر الواقع" بقيادة أحمد الشرع (الجولاني)، مع الاشارة إلى انتقال حاد من محاولة رسم صورة "الدولة المدنية" إلى العودة لنهج "الإمارة" المتشددة، وهو ما يُعرف بـ "أدلبة" سوريا.
هذا التحول يأتي نتيجة فشل المشروع في كسب الاعتراف الدولي وتأكل السلطة من الداخل.
واقع السلطة الحالي: من حلم الدولة إلى واقع "الإمارة"
تشير القراءة الحالية للأحداث إلى أن الرؤية التي حاولت السلطة تسويقها خلال الفترة الماضية قد وصلت إلى طريق مسدود. فبعد فشل بناء مؤسسات حقيقية وفشل محاولات إقناع المجتمع الدولي بالأهلية للحكم، بدأت السلطة في التراجع نحو نموذج "إدلب" وتعميمه على بقية المناطق.
أسباب فشل مشروع "الدولة"
تآكل الشرعية: تعاني السلطة من فشل في إدارة الملفات الأساسية مثل الكهرباء والرواتب وتدني مستوى المعيشة.
انحسار الدعم الخارجي: تراجع القوى الدولية عن دعم السلطة بعدما تبين أنها غير قادرة على التحول لدولة مدنية حقيقية.
التناقض الجوهري: بناء دولة القانون يعني سحب السلطة المطلقة من يد "القائد" وتحويله لمسؤول خاضع للمساءلة، وهو ما يرفضه منطق الفصائل العسكرية.
مؤشرات التحول نحو نهج "الإمارة"
شهدت الفترة الأخيرة مجموعة من القرارات والمظاهر التي لا يمكن اعتبارها أحداثًا منفصلة، بل هي جزء من خطة بديلة لفرض السيطرة الاجتماعية وتغيير هوية المجتمع السوري:
1. قرارات التدخل في نمط الحياة (قرار منع المشروبات)
يُعد قرار منع تقديم المشروبات الكحولية في دمشق أول اختبار حقيقي لمدى قدرة السلطة على تطويع العاصمة السورية. هذا القرار ليس مجرد مسألة دينية أو اجتماعية، بل له دلالات سياسية واقتصادية:
هو رسالة للخارج بأن السلطة عادت لجذورها المتشددة.
يؤثر بشكل مدمر على اقتصاد مدينة مثل دمشق، خاصة في قطاع السياحة والمطاعم القديمة.
يهدف إلى اختبار رد فعل الشارع ومدى استجابته للقرارات القمعية.
2. السيطرة على الرموز الثقافية (دار الأوبرا)
تحويل "دار الأوبرا" السورية من رمز للثقافة المدنية إلى فضاء لإقامة طقوس دينية فصائلية ونخبوية هو رسالة واضحة بانهيار الحيز المستقل. الهدف هو إفهام المجتمع أنه لا توجد رموز خارج رؤية السلطة أو إيديولوجيتها.
3. عسكرة الطفولة والتنشئة الإيديولوجية
ظهور أطفال في سن مبكرة بملابس عسكرية وعصابات حمراء داخل المساجد يشير إلى محاولة برمجة جيل جديد وفق تصور "جبهة النصرة". هذا النهج يهدف لربط الهوية الدينية بالانضباط العسكري، مما يجهز المجتمع لصراع طويل الأمد بعيدًا عن أدوات بناء الدول التقليدية.
أزمات داخلية تعصف بكيان السلطة
لم يعد التحدي خارجيًا فقط، بل بدأت تظهر بوادر انهيار داخلي وتفكك في صلب السلطة التي كانت متماسكة سابقًا:
الأزمة المالية: تأخر الرواتب وأحيانًا عدم دفعها لبعض الفصائل والعناصر، وهو مؤشر خطر جداً في سلطة تعتمد على الولاء العسكري.
التمرد العسكري: ظهور حالات رفض لتنفيذ الأوامر العسكرية، خاصة في ملفات حساسة تتعلق بالحدود.
التململ في المناطق الشرقية: تعاني دير الزور والرقة من حالة تهميش وفقر، مما يهدد بتحولهما إلى مناطق "سائبة" خارجة عن السيطرة نتيجة فشل السلطة في تقديم أي مشروع تنموي.
مراجعات ودروس مستفادة من "السنوات الضائعة"
في المحتوى ايضا رؤية نقدية للنخب السورية التي وثقت في مرحلة ما بقدرة مشروع جهادي عسكري على بناء دولة ديمقراطية مدنية.
خيبة أمل النخب: هناك تساؤل مرير حول كيف وثق رفاق الأمس (دعاة الديمقراطية) بشخص خلفيته متشددة ومستبدة.
خسارة العمر: ضياع سنوات طويلة من حياة السوريين في انتظار سقوط نظام ليفاجأوا بنظام شبيه به في الأساليب والوحشية.
السياسة الخادعة: تم اللعب على كل الحبال وزراعة الوهم بأن هناك تحولاً "براغماتيًا" للجولاني، ليتبين في النهاية أنه كان مجرد غطاء للبقاء في الحكم.
استشراف المستقبل: ماذا بعد التآكل؟
إن المسار الحالي هو مسار "تاكل بطيء" قد يؤدي إلى تلاشي السلطة أو انهيارها المفاجئ. والسيناريوهات المحتملة هي:
السيناريو السيئ: الانهيار على فراغ، مما يدخل سوريا في حالة من الفوضى والاقتتال الطويل (نموذج اليمن أو ليبيا).
السيناريو المطلوب: ضرورة تشكل وعي شعبي وإرادة صلبة ترفض نموذج "الإمارة" وتتمسك بـ "دولة القانون".
التوصيات للمرحلة القادمة:
رفض نهج "الأدلبة": يجب أن يقابل أي قرار يعتدي على الحريات الشخصية أو الرموز المدنية برفض قاطع وقوي من المجتمع.
تفعيل اللجان الأهلية: ضرورة وجود تنسيق أهلي على مستوى الأحياء لضمان استمرار الخدمات والأمن في حال حدوث فراغ مفاجئ.
إعداد "كتالوج" الدولة: على القوى السياسية والنخب تجهيز خطة دقيقة للمرحلة الانتقالية تعتمد معايير بناء الدول الحديثة، ليكون الشعب جاهزاً لتنفيذها فور حدوث التغيير.
التكافل الاجتماعي: زيادة الدعم المادي من السوريين في الخارج لأهاليهم في الداخل لتأخير الوصول لمرحلة المجاعة الشاملة.
إن الصراع القائم اليوم ليس على "المشروبات" أو "الطقوس"، بل هو صراع بين مشروع "الدولة السورية لكل السوريين" وبين مشروع "إمارة الولي" التي تحاول فرض نفسها كأمر واقع.