هيثم مناع : هذا هو العمل المطلوب في المستقبل

20.03.2026 | 01:05

تجدون هنا تحليلاً معمقاً للواقع السوري بناءً على الرؤى التي طرحها المفكر والناشط الحقوقي هيثم مناع في لقاء مع برنامج بالمباشر، مركزاً على توصيف الحالة الراهنة للدولة والمجتمع، والتحولات الجيوسياسية المحيطة، وصولاً إلى تحديد معالم العمل المطلوب لتحقيق تغيير حقيقي ومستدام.

أولاً: تشخيص الواقع السوري الراهن

وفقاً لتحليل المشهد الحالي، تمر سوريا بمرحلة تتسم بانتصار "الثورة المضادة" وتفكك مفهوم الدولة، ويمكن تلخيص ملامح هذا الواقع في النقاط التالية:

1.غياب الدولة وسيادة الفوضى

انهيار المؤسسات: تعيش سوريا حالة من "الفوضى العارمة" حيث غابت مؤسسات الدولة الحقيقية لصالح سلطات أمر واقع تفتقر لأدنى مفاهيم الإدارة المؤسساتية.

سيادة العقلية غير الدولتية: تدار الأمور بعقليات منغلقة (مثل ممارسات التدخل في الحريات الشخصية) لا تستوعب مفهوم "دولة المواطنة" أو "المؤسسات"، مما جعل الدولة السورية "منزوعة السيادة".

التفكك المجتمعي: يعاني المجتمع السوري من انقسام ذاتي وتفكك بنيوي، مما يجعله حالياً غير قادر ذاتياً على بناء دولة دون إزاحة القوى التي لا تمثله.

2. نتائج الصراع المسلح

عسكرة الحراك: تحول الحراك المدني السلمي (الذي ضم أكثر من مليوني مشارك في بداياته) إلى مواجهات عسكرية دموية قادتها مجموعات جهادية سلفية وأخرى موالية لقوى إقليمية.

الاستنزاف البشري والمادي: أدى الصراع إلى تحطيم البنية التحتية واستنزاف الطاقات البشرية، حيث تحولت سوريا إلى ساحة لتصفية حسابات دولية وإقليمية بأدوات غير سورية.

فشل المشروع الوطني: غاب المشروع الوطني السوري لصالح مشاريع عابرة للحدود، مما أدى إلى إلغاء دور سوريا في أي معادلة إقليمية.

3. تقييم المرحلة الانتقالية الحالية

سلطة التوافق الدولي: يُنظر إلى وصول "أحمد الشرع" (الجولاني) للسلطة الانتقالية بوصفه نتاجاً لتوافق دولي وليس تعبيراً عن إرادة ذاتية سورية، وهو يمثل الطرف الأكثر شراسة وتطرفاً في التعامل مع المجتمع خلال السنوات الـ 15 الماضية.

انعدام البرنامج الوطني: تفتقر السلطة الحالية لأي برنامج وطني أو ديمقراطي، بل إن مفاهيم مثل "الوطنية" و"الديمقراطية" تعتبر خارج قاموسها الأيديولوجي.

ثانياً: المتغيرات الإقليمية والدولية وأثرها

تشير المعطيات إلى تحول جذري في الاهتمام الدولي بالملف السوري، مما يخلق واقعاً جديداً:

 

الطرف الدولي/الإقليمي

التوصيف الحالي للدور والأثر

الولايات المتحدة (إدارة ترامب)

توجه نحو المركزية الرئاسية وقرارات أحادية تفتقر للتخطيط الاستراتيجي، مع تركيز الاهتمام على ملفات أخرى (كوبا، إيران).

إسرائيل (نتنياهو)

السعي للتحول إلى "دولة عظمى" إقليمياً، مع مصلحة في استمرار المشاكل السورية الداخلية لإشغال الداخل السوري عن أي دور إقليمي.

دول الخليج

انشغال داخلي بإعادة ترتيب الأوضاع الاقتصادية والمصرفية المتضررة من الحروب، مما جعل الوعود بإعادة الإعمار في سوريا "صفرية".

إيران

مواجهة مفترق طرق بين الاستمرار كدولة فاشلة مثقلة بالعقوبات أو مواجهة شبح التفتت (سيناريو يوغسلافيا).

 

ثالثاً: العمل المطلوب وآفاق التغيير المستقبلي

رغم قتامة الواقع، يرى التحليل أن هناك "فرصة للنضال من أجل التغيير" أكبر مما كانت عليه قبل الحرب، وذلك وفق الرؤية التالية:

1.استغلال "هامش الحركة" الناتج عن الإهمال الدولي

أدى انصراف أنظار العالم نحو صراعات أخرى (أوكرانيا، التوترات الإقليمية) إلى منح المجتمع السوري هامش حركة أكبر. هذا "التجاهل الدولي" يسمح للسوريين بالتحرك دون قيود التوازنات الدولية التي كانت مفروضة سابقاً، وشعار المرحلة يجب أن يكون "اتحركونا وشأننا".

2. الربط بين الاحتياجات الوجودية والتغيير السياسي

لم يعد هناك فرق بين "الهم الشخصي" و"الهم الوطني". النضال من أجل الخدمات الأساسية (كهرباء، غاز، لقمة العيش) هو بحد ذاته نضال من أجل تغيير المنظومة السياسية، لأن السلطة الحالية عاجزة عن تقديم إجابات على أبسط مقومات البقاء والكرامة الإنسانية.

3. بناء "دولة لكل السوريين"

المواطنة لا التمييز: يجب أن يقوم المشروع المستقبلي على بناء دولة لا تميز بين مواطنيها ولا تمنح امتيازات لفئة على حساب أخرى.

إزاحة الأطراف غير الممثلة: الوصول إلى استقرار حقيقي يتطلب "كسر البلوكات" السياسية والمجتمعية وإزاحة كل الأطراف التي لا تمثل الأغلبية الفعلية للمجتمع السوري.

4.نضوج أدوات النضال

التغيير القادم يجب أن يكون:

أكثر عمقاً وصدقاً مع النفس.

أكثر وعياً بالمخاطر الخارجية وتاثيراتها.

مبنياً على الحراك المدني الاجتماعي السلمي، كونه الأداة الوحيدة القادرة على بناء نواة دولة حقيقية.

رابعاً: اقتباسات جوهرية من المصدر

"الفوضى قائمة.. هل يفهمون ما معنى الدولة؟ هل يفهمون ما معنى مؤسسات دولة؟ كل هذه المسائل أكبر من سقف عقلية هؤلاء."

"فرصة النضال من أجل التغيير في سوريا اليوم أكبر من الوضع الذي سبق الحرب، لأن العالم لم يعد مهتماً بنا.. اتركونا بحالنا يا أخي."

"التحرك السوري من أجل الحرية والكرامة هذه المرة سيكون بالتأكيد أكثر نضجاً من عام 2011."

"إذا ناضلت من أجل فاتورة الكهرباء، فأنت تحتاج لتغيير المنظومة، لأن الحاجات الأساسية الوجودية اختلطت بقضية التغيير السياسي."

خلاصة: يؤكد التحليل أن سوريا تمر بحالة "فصام" بين سلطة أمر واقع مفروضة دولياً وبين مجتمع محطم يبحث عن البقاء. إن مكمن القوة القادم يكمن في تحول المعاناة اليومية إلى محرك لنضال مدني أكثر نضجاً ووعياً، يسعى لبناء دولة مؤسسات تتجاوز عقلية الفصائل والولاءات الخارجية.

 



Contact
| إرسال مساهمتك | نموذج الاتصال
[email protected] | © 2025 syria.news All Rights Reserved