يشكّل ملف الموفدين السوريين العالقين في الخارج واحدة من أبرز القضايا الأكاديمية والإنسانية التي تستحق معالجة جادة ضمن مسار الإصلاح الوطني الشامل. فهؤلاء الأكاديميون الذين أوفدتهم الدولة خلال السنوات الماضية، عاد كثيرٌ منهم بشهادات عالية وخبرات علمية من أرقى الجامعات في العالم، لكن ظروف الحرب حالت دون عودتهم في الوقت المحدد، أو منعتهم بشكل قسري بسبب التهديدات الأمنية، أو توقف التمويل، أو انهيار المؤسسات التي كانت تنتظرهم.
وقد استمر هؤلاء الموفدون في دعم أهلهم داخل الوطن خلال سنوات الأزمة، وتحملوا ضغوط الغربة، وواصلوا دراساتهم رغم تعثر التمويل الرسمي أو انقطاعه، وتحملوا نفقات عالية لتحويل الأموال، وعاشوا فترات طويلة في قلق دائم على أسرهم. كل ذلك، دون أن يتخلوا عن التزامهم تجاه وطنهم أو نكثوا بعقودهم، بل بقوا على أمل أن يُعاد الاعتبار لدورهم وأن يُفتح أمامهم باب العودة حين تستقر البلاد.
واليوم، بعد أن بدأ الأمل يعود إلى قلوب السوريين، وأصبح مشهد النهوض الوطني واقعًا ملموسًا، يتطلع الموفدون إلى المشاركة الكاملة والفاعلة في هذه اللحظة التاريخية. كل موفد في الخارج – دون استثناء – يحمل في قلبه رغبة مشتعلة في أن يكون جزءًا من مشروع إعادة الإعمار العلمي والأخلاقي لسوريا الجديدة. لم يعودوا ينتظرون فقط قرارات حكومية، بل يتطلعون إلى أن يُفسح لهم المجال ليكونوا في مقدمة صفوف العاملين من أجل الوطن.
إن قضية الموفدين ليست ملفًا قطاعيًا أو إدارياً يخص وزارة بعينها، بل هي مسألة وطنية جامعة، تمس حاضر الوطن ومستقبله، وتتعلق بمكانة العلم في مشروع الدولة، وتلامس تطلعات عشرات الآلاف من الأسر السورية التي ترى في أبنائها الموفدين أملًا، وفي عودتهم بوابة استقرار وكرامة. هذه القضية تخص كل بيت سوري ينتظر نهضة وطنه، وكل طالب علم يحلم بجامعة قوية، وكل مؤسسة تعليمية تسعى لأن تكون بحجم التحديات.
ونحن – كموفدين – لا نتحدث من موقع المطالبة فقط، بل من موقع الشراكة الكاملة مع دولتنا. نحن نثمّن التغيير الجاري في البلاد، وندرك أن هناك أولويات كثيرة، وتحديات أمنية واقتصادية وإنسانية جسيمة، ونقف إلى جانب دولتنا في معركة الاستقرار والبناء، لكننا في الوقت ذاته نؤمن أن إصلاح التعليم العالي لا يمكن تأجيله، لأنه الأساس الحقيقي لأي نهوض مستدام.
من أبرز الإشكالات التي يعاني منها الموفدون العائدون أو الراغبون في العودة:
غياب الجاهزية المسبقة: يُطلب من الموفد العودة دون أن تكون أوراقه مكتملة، أو معادلة شهادته منجزة، أو موقعه الوظيفي محدد، ما يجعله يواجه شهورًا من الانتظار والإرباك الإداري، بدلًا من أن يعود ليبدأ العمل مباشرة.
التأخر في صرف الرواتب والمستحقات: بعض العائدين ينتظرون شهورًا لتسلم رواتبهم بعد العودة، وهو أمر غير مقبول إطلاقًا. فالعائد بعد سنوات من الغربة يحتاج إلى استقرار مالي فوري، ويجب أن يُصرف له راتبه كاملًا، وتُنجز أوراقه الوظيفية والمالية خلال مدة لا تتجاوز الشهر من تاريخ مباشرته.
بطء معادلة الشهادات وتثبيت الدرجة الأكاديمية: ينبغي تسريع إجراءات المعادلة عبر آلية إلكترونية مركزية، يتم من خلالها تقديم الوثائق والتحقق منها قبل العودة. يجب أن يُبلغ الموفد مسبقًا أن شهادته معترف بها، ودرجته الأكاديمية محددة، وموقعه جاهز، لتكون عودته مباشرة وفعالة.
مطالبات مالية مجحفة وغير مبررة: كثير من الموفدين يواجهون مطالبات بمبالغ ضخمة تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات، نتيجة قوانين عدّلت بأثر رجعي أو احتُسبت على أساس صرف غير عادل. من غير المقبول تحميلهم مسؤولية قرارات لم يكونوا طرفًا فيها، خاصة إذا كان الانقطاع بسبب الحرب، أو بسبب توقف التمويل الرسمي. كذلك، يجب إلغاء التهديدات الموجهة للكفلاء الذين وُضعوا في موضع لا ذنب لهم فيه.
غياب المرونة في مواعيد العودة: يُفترض أن يُعطى الموفدون فترات سماح واقعية لإنهاء عقودهم الأكاديمية أو المهنية في الخارج. لا يجوز أن يُطلب منهم العودة خلال أسابيع دون ترتيب مسبق، ولا أن تُحدد مهلة قصيرة جامدة لا تراعي وضعهم المهني أو الأسري. بل يجب أن تكون العودة منظمة، وتُراعى فيها التزاماتهم، وتُتيح لهم العودة التدريجية أو الصيفية أو الجزئية.
التوزيع العشوائي وعدم استثمار التخصصات النادرة: كثير من العائدين يُوضعون في مواقع لا تناسب اختصاصاتهم أو خبراتهم، مما يهدر مؤهلاتهم. من الضروري ربط عودة الموفدين بحاجات الأقسام العلمية، وإعطاء الأولوية للتخصصات النادرة كالتقنيات الحديثة، والطاقة، واللغات، والذكاء الاصطناعي.
ضعف الدعم المقدم للأسر والأبناء: العودة لا تشمل الفرد فقط، بل عائلته وأطفاله. يجب تسهيل إدماج أبناء الموفدين في المدارس والجامعات السورية، وتوفير دعم نفسي وتربوي يخفف من آثار الانتقال، خاصة لمن نشأوا في بيئة مختلفة.
غياب الحوافز والتشجيع: من غير المعقول أن يُعامل العائد – بعد سنوات من الدراسة والخبرة – كخريج جديد، دون أي ميزة مالية أو أكاديمية. لا بد من إعادة النظر في سلم الرواتب، والتعامل بإنصاف مع أصحاب الدرجات العلمية العالية.
ومع ذلك، ورغم كل هذه التحديات، فإن الموفدين على أتمّ الجاهزية للمشاركة في بناء سوريا الجديدة. لا أحد ينتظر دعوة، بل الجميع يبحث عن فرصة ليضع خبرته في خدمة الجامعة، والمجتمع، والوطن. فالرغبة في العطاء لدى الموفدين تتقد، والحماسة للعودة والمشاركة تزداد، واللحظة التاريخية الحالية هي الفرصة المثالية لاستثمار هذه الطاقة الوطنية.
وانطلاقًا من هذه الروح، فإننا نناشد وزارة التعليم العالي اعتماد خطة متكاملة، تأخذ بعين الاعتبار ما يلي:
إنجاز جميع إجراءات المعادلة والتعيين وتحديد الدرجة الأكاديمية قبل عودة الموفد، بحيث يبدأ العمل مباشرة.
صرف الرواتب والمستحقات فور المباشرة، على ألا تتجاوز المدة أسبوعين من تاريخ العودة.
وقف المطالبات المالية غير العادلة ومراجعة ملف الكفلاء بإنصاف.
منح الموفدين فترات سماح مرنة لإنهاء التزاماتهم المهنية خارج البلاد.
إنشاء لجان خاصة في كل جامعة لدراسة كل ملف على حدة وتوجيه العائدين وفق الحاجة الفعلية.
تخصيص دعم لوجستي وسكني للعائدين وأسرهم في الفترة الأولى للعودة.
تسهيل إدماج الأبناء في المدارس السورية، وتقديم دعم تعليمي ونفسي مناسب.
فتح المجال أمام العائدين لتعزيز الشراكات الدولية بين جامعاتهم السابقة والجامعات السورية.
إننا لا نطلب سوى أن نحمل معنا إلى الوطن ما تعلمناه، وأن نرد له بعض ما أعطانا، وأن نشارك بكل ما نملك من علم وتجربة في مشروع نهضته. ما نحتاجه فقط هو أن تمد الدولة يدها إلينا بثقة، وتفتح لنا أبواب جامعاتها، وتمنحنا فرصة ننتظرها منذ سنوات طويلة.
سوريا اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، والموفدون العالقون في الخارج هم أبناؤها الأوفياء. هذه لحظة وطنية جامعة، تتطلب توحيد الجهود بين الدولة وأبنائها. فافتحوا لهم الطريق، وستجدونهم أول الساعين إلى البناء، وأصدق من يحمل همّ الجامعة والوطن، وأشدّ الناس حماسة لأن تكون سوريا الجديدة دولة العلم، والعدل، والكرامة.
-----------------------------------------------------------------------
*الاراء الواردة في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع
*ارسل مساهمتك على الايميل [email protected]