مقالات رئيس التحرير

عندما يعطي الشعب السلطة "شيكا على بياض": قراءة في أزمة الحكم وإدارة الدولة في سوريا

11.05.2026 | 11:22

يقدم رئيس التحرير نضال معلوف في تحليله العميق للمشهد السوري الراهن رؤية نقدية للسلطة القائمة، واصفاً إياها بأنها سلطة "أمر واقع" استلمت زمام الأمور بناءً على تفويض شعبي عاطفي غير مشروط، أو ما أسماه "شيكاً على بياض". يتناول معلوف في هذا التحليل جذور الأزمة البنيوية في إدارة الدولة، والتخبط في القرارات الاقتصادية، والمخاطر الاجتماعية والسياسية الناتجة عن غياب الرقابة والمحاسبة.

أصل المشكلة: التفرد والإقصاء في المرحلة الانتقالية

يرى نضال معلوف أن المشكلة الأساسية في سوريا اليوم تكمن في محورين رئيسيين يعيقان العبور نحو بناء دولة حقيقية:

  1. التفرد بالقرار: توقفت السلطة الحالية عند الخطوة الأولى من المراحل الانتقالية، وهي السيطرة العسكرية، دون المضي قدماً نحو تشكيل حكومة منتخبة أو كتابة دستور شرعي.
  2. غياب التغيير البنيوي: لم يطرأ أي تغيير يذكر على طبيعة السلطة منذ استلامها؛ إذ تتبنى نهج الإقصاء وعدم المشاركة، وتتعامل مع الدولة السورية بعقلية إدارة الفصائل أو "تجربة إدلب" المحدودة، متجاهلة الفرق الشاسع بين حكم منطقة محددة وإدارة دولة معقدة تتطلب توازنات داخلية وخارجية.

"أغرار ومراهقون" في أروقة الدولة

يصف معلوف الشريحة الحاكمة بأنها تفتقر إلى سمات "رجال الدولة"، حيث يعتمد أصحاب القرار الحقيقيون على أفراد يصفهم بـ "المراهقين" أو "الأغرار" في علم الإدارة. ويوضح التحليل عدة نقاط حول طبيعة هذه الإدارة:

  • الغرور والجهل: أدى التقديس الشعبي الذي حظي به رئيس السلطة (الشرع) في البداية إلى إصابة المسؤولين بالغرور، مما زاد من جهلهم بطبيعة الإدارة واستسهالهم للمسؤولية.
  • عقلية "السماسرة": تُدار الدولة حالياً بعقلية "الشركة الخاصة" أو "السمسرة"، حيث المعيار الوحيد هو الربح والخسارة في "دفتر" السلطة الخاص، دون اعتبار للمصلحة العامة أو الخدمات الأساسية.
  • غياب المؤسسات: يغيب ميكانزم إدارة الدولة الحقيقي؛ فلا توجد اجتماعات لمجلس الوزراء، والمباني الحكومية الكبرى (مثل مجلس الوزراء في دمشق) تُستخدم كفنادق أو مقرات إقامة، بينما تُتخذ القرارات بشكل فردي وعشوائي.

 

التخبط الاقتصادي: ملف الطاقة والمحروقات نموذجاً

يمثل رفع أسعار المحروقات مؤخراً ذروة التخبط الإداري للسلطة. ويشير معلوف إلى أن السلطة مارست نوعاً من "الاستعلاء" والتبجح في البداية، مدعية أن سوريا هي الدولة الوحيدة التي لم تتأثر بالأزمات الإقليمية، لتفاجئ الشارع برفع الأسعار بنسبة كبيرة دون تمهيد أو دراسة.

القضية

التناول الإداري للسلطة

النتيجة الواقعية

أسعار المحروقات

التفاخر بالاستقرار ثم الرفع الفجائي.

أزمة معيشية خانقة وتوقف شريان العمل.

إدارة الأزمات

غياب خطط الطوارئ وتجاهل التحذيرات.

ارتباك في الأسواق واعتماد على التسريبات لجس النبض.

القطاع الصحي

توجيه الموارد لجهات غير خدمية.

تحول وزارة الأوقاف لجمع تبرعات للقطاع الصحي (شحاذة).

ملف المختطفات وأزمة الساحل: قنبلة موقوتة

يتوقف نضال معلوف عند قضية بالغة الحساسية، وهي ملف الفتيات المختطفات (مثل قضية بتول)، محذراً من أن تعامل السلطة بـ "ولدنة" وسطحية مع هذا الملف قد يؤدي إلى انفجار حرب أهلية.

  • سرديات الإفحام: تسعى السلطة لصناعة "سرديات" (مثل الهجرة في سبيل الله) هدفها إفحام الطرف الآخر وإسكاته إعلامياً، بدلاً من حل المشكلة فعلياً.
  • فقدان الثقة في الساحل: يشدد معلوف على أن المهم ليس إقناع جمهور السلطة، بل إقناع "أهل الساحل" والمجتمعات المتضررة. فإذا استمر شعور ملايين السوريين بالقهر والخوف على أعراضهم وبناتهم، فإن ذلك يمثل تهديداً وجودياً للاستقرار.
  • غياب النزاهة: لا توجد جهة محايدة أو هيئة رقابية تستطيع التحقق من صحة ادعاءات السلطة أو حماية حقوق الضحايا، مما يترك المجال مفتوحاً للاحتقان الطائفي والمجتمعي.

الحل المقترح: نحو هيئة تمثيلية رقابية

يؤكد نضال معلوف أن تغيير الأسماء والمناصب (مثل إقالة ماهر أو حازم الشرع) ليس إلا "مناورات" لامتصاص الغضب الشعبي ولا يمس جوهر الأزمة. ويطرح رؤيته للحل من خلال:

  1. تشكيل هيئة تمثيلية رقابية: لا يمكن الخروج من النفق إلا بوجود هيئة تمثل كافة المكونات السورية، تمتلك سلطة الرقابة والمحاسبة على "السلطة التنفيذية" من رأس الهرم إلى أسفله.
  2. المشاركة في القرار: يجب أن يكون الشعب شريكاً في اتخاذ القرارات وتقييم نتائجها، بدلاً من تلقي قرارات "فوقية" مباغتة.
  3. توفير غطاء سياسي للتكنوقراط: لا فائدة من جلب الخبراء وأصحاب الاختصاص للوزارات إذا لم يمتلكوا صلاحيات حقيقية وتحت رقابة شعبية تمنع تدخل السلطة المتنفذة في عملهم.

رؤية ختامية: "راحت السكرة وإجت الفكرة"

يختم معلوف تحليله بالتأكيد على أن حالة "السكرة العاطفية" التي تلت سقوط النظام السابق قد انتهت، وبدأ السوريون يواجهون الواقع بـ "الفكرة" والعقل. إن السلطة الحالية تمر بمرحلة "تآكل" قد تصل إلى الانهيار التام إذا استمرت في استهتارها وإقصائها للشعب.

إن المطالبة بالحقوق الأساسية من كهرباء وماء وأمن لا تنفصل عن المطالبة بإصلاح "ميكانزم الدولة" وتفعيل الرقابة، إذ لا يمكن ائتمان سلطة مطلقة على مقدرات شعب دون وجود ميزان للمحاسبة.


TAG:

كيري يلتقي بمسؤولين سعوديين واماراتيين بابو ظبي لبحث توحيد المعارضة السورية

أفادت وزارة الخارجية الامريكية, يوم الأثنين, ان وزيرها جون كيري سيلتقي مع مسؤولين إماراتيين وسعوديين كبار في أبوظبي لبحث سبل "توحيد جماعات المعارضة السورية في مؤتمر تستضيفه السعودية الشهر المقبل".