مقالات رئيس التحرير
تغوّل "الخارجية" على شريان الحياة: هل تبتلع المركزية ما تبقى من أمل للسوريين؟
من وعود "ردع العدوان" إلى واقع الاستئثار بالسلطة
عاش السوريون لحظة تاريخية من الترقب العريض عقب سقوط النظام السابق، حيث كانت التطلعات تتجه نحو ولادة "هيئة حكم انتقالي" أو "مجلس حكم" تشاركي يجمع الشتات الوطني ويؤسس لدولة المؤسسات.
ومع صعود "أحمد الشرع" وقيادته لعملية "ردع العدوان"، استبشر الكثيرون بعهد جديد من الخلاص، إلا أن هذا التفاؤل سرعان ما اصطدم بواقع مرير؛ إذ تحولت بوصلة السلطة من وعود "ردع العدوان" الخارجي إلى ممارسة "ردع الرغيف" وتضييق الخناق على الداخل.
إن التناقض الصارخ اليوم يتجلى في تحويل "شرعية الإنجاز العسكري" إلى أداة للاستحواذ السياسي الفج؛ حيث حُصرت الوزارات السيادية بيد فصيل "هيئة تحرير الشام"، في حين أُجهض حلم الحكومة الوطنية لصالح هيكلية سلطوية تعيد إنتاج المركزية المطلقة بأسلوب أكثر تغولاً.
هذا الاستئثار لم يتوقف عند تخوم السياسة والأمن، بل انتقل ليمسّ "شريان الحياة" الوحيد للسوريين، محولاً آمال التغيير إلى إحباط ناتج عن "زمرة ضيقة" تصرّ على إدارة المرحلة الانتقالية بعقلية الإقصاء والسطو على لقمة العيش.
وزارة الخارجية: "الأخطبوط" الذي يبتلع السياسة والعمل الإنساني
تبرز وزارة الخارجية اليوم، بقيادة "أسعد الشيباني"، كمركز ثقل موازٍ للدولة، بل كأخطبوط إداري ابتلع المهام الدبلوماسية ليتحول إلى سلطة مطلقة تدير مفاصل الحياة. الشيباني، الذي بات يُنظر إليه كـ "الرجل الثاني" أو حتى المحرك الأول في هرم السلطة، نجح في استنساخ إرث "القيادة القطرية" السابق عبر ما يسمى "الأمانة العامة للشؤون السياسية"، محولاً العمل السياسي الوطني إلى مجرد مكتب فرعي يأتمر بأمر الوزارة.
السطو الإداري والهيكلية الموازية: لقد بلغ الاستخفاف بمؤسسات الدولة ذروته في القرار الأخير الصادر عن "إدارة التعاون الدولي" بالخارجية، والذي قضى بإلغاء آلية "الشريك الوطني" (الهلال الأحمر والتنمية السورية).
والمثير للدهشة والريبة معاً، أن هذا القرار المصيري الذي يلزم كافة وزارات الدولة لم يصدر عن رئيس الحكومة أو حتى وزير الخارجية، بل وقّعه "مدير إدارة"، في إشارة واضحة إلى انهيار الهرم الإداري وتحول الخارجية إلى "دولة داخل الدولة" تفرض إرادتها على الجميع.
إن هذا التغول يكشف عن وجود "هيكلية موازية" تدير الدولة من الظلال؛ فبينما يمتلئ المشهد بوزراء "تكنوقراط"، إلا أنهم في الواقع مجرد "هياكل كرتونية" بلا صلاحيات، حيث تُدار وزاراتهم فعلياً من قبل "معاونين" أو "مشايخ" تابعين لهيئة تحرير الشام.
هذا السطو جرد وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل من جوهر صلاحياتها، ليصبح ملف الإغاثة بالكامل تحت قبضة "قسم الشراكات" في الخارجية، تمهيداً لمركزية مالية وإدارية تخنق أي استقلالية مؤسساتية.
تسييس "الرغيف" و تداعيات المركزية على المساعدات الدولية والشفافية
يدرك أي محلل سياسي أن ملف المساعدات الإنسانية هو منطقة "خط أحمر" بالنسبة للمانحين الدوليين.
إن محاولة "الزمرة الحاكمة" حشر وزارة الخارجية كبوابة إجبارية وحيدة لكل مذكرات التفاهم والاتفاقيات الإغاثية تعني بالضرورة "تسييس الرغيف"، وهو ما سيواجه بردود فعل دولية حازمة قد تزيد من معاناة الشعب السوري.
المخاطر المتوقعة لمركزية القرار الإغاثي
فقدان الثقة الدولية: ستنظر الأمم المتحدة والجهات المانحة لهذا التغول بوصفه انهياراً لمعايير الشفافية، مما قد يدفعها لتقليص الدعم أو تعليقه.
تداخل السياسة بالعمل الإغاثي: إن ربط المساعدات بوزارة سيادية فصائلية يجرّد العمل الإنساني من حياده، ويحوله إلى أداة للمساومة والولاء السياسي.
بطء الاستجابة للأزمات: ستؤدي البيروقراطية "الأخطبوطية" الجديدة إلى عرقلة سرعة التدخل في حالات الطوارئ، مما يضع حياة الملايين في خطر حقيقي.
السيطرة على الموارد: يظهر بوضوح أن الهدف الجوهري هو وضع اليد على "حشد الموارد الخارجية" لضمان تدفق الأموال إلى جيوب السلطة المركزية مباشرة، بعيداً عن الرقابة التخصصية.
الدولة الانتقالية العالقة: نجاحات شخصية وإخفاقات مؤسساتية
بينما ينشغل "الشرع" و"الشيباني" بتسويق الزيارات الخارجية والاستقبالات الدبلوماسية كإنجازات لشرعنة وجودهما، يعيش المواطن السوري حالة من الانفصام الصادم بين "نجاحات الأشخاص" وفشل "المؤسسات". هذه الصورة الدبلوماسية تظل جوفاء طالما لم تنعكس على أمن المواطن وخبزه.
مؤشرات تآكل السلطة: إن السلطة الحالية تقف اليوم على حافة الانهيار المؤسساتي، وتتجلى ملامح هذا التآكل في:
انعدام الأمن الغذائي الحاد: وصول شرائح واسعة من الشعب إلى حافة المجاعة الفعلية نتيجة سوء الإدارة والمركزية المقيتة.
الانفلات الأمني وسخط الشارع: تزايد مظاهر التفلت الأمني والمواقف الشعبية الرافضة لنهج الاستئثار، مما يدل على ضعف القبضة الإدارية الفعلية.
فشل السيادة الوطنية: في الوقت الذي تنشغل فيه الخارجية بملاحقة أموال الإغاثة، تقف السلطة عاجزة عن حماية السيادة؛ إذ وصلت العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى مسافة 20 كيلومتراً فقط من قلب العاصمة دمشق، دون أي رد فعل يتناسب مع هيبة "الدولة" المدّعاة.
إن العقلية التي تدير المرحلة الانتقالية تتصرف وكأنها "دولة مستقرة ودائمة"، متجاهلة أن شرعية هذه المرحلة مرتبطة حصراً بمدى قدرتها على التشارك الوطني الشامل والتمهيد للانتقال السياسي، لا بالاستقواء بالمنصب لتكديس السلطات.
سوريا بين المطرقة الإدارية وسندان الانهيار
إن استمرار نهج "الاستئثار والسطو" الذي تمارسه زمرة الحكم الحالية على مؤسسات الدولة، وآخرها ملف المساعدات الإنسانية، يضع سوريا أمام خطر الانعزال الدولي مجدداً.
هذا المسار الذي يسلكه "الشرع" وفصيله لا يخدم سوى طموحات شخصية ضيقة للبقاء في السلطة بأي ثمن، وهو ثمن يدفعه المواطن السوري من قوته وأمنه.
إننا نوجه نداءً وطنياً بضرورة العودة الفورية إلى "مسار التشارك الحقيقي" وتوسيع دائرة القرار؛ فالدعم الدولي لن يأتي لسلطة تقصي شركاءها وتسطو على صلاحيات وزاراتها. إن مستقبل الدولة السورية أمانة تاريخية كبرى، وهي بكل تأكيد أسمى وأبقى من أن تُرهن لمغامرات الأفراد أو أطماع الفصائل التي تحاول ابتلاع ما تبقى من أمل للسوريين.
نضال معلوف
الشيباني يلتقي نظيره الاماراتي في أبو ظبي ويسلمه رسالة من الشرع الى رئيس الامارات
الشرع يلتقي مسؤولين أمميين ويبحث معهما الظروف الإنسانية في سوريا
الشيباني ونظيره التركي يبحثان تطورات التصعيد في المنطقة
تركيا ودول عربية تدين الاعتداء الاسرائيلي على جنوب سوريا وتطالب باجراءات لوضع حد للانتهاكات
أهالي المعتقلين لدى "قسد" يحتجون في دير الزور للمطالبة بالكشف عن مصير أبنائهم
الداخلية: بدء استقبال طلبات منح الجنسية السورية للأكراد
ضحايا بانفجار جسم غريب في محل لجمع خردوات بالحسكة
الخارجية الألمانية: دورنا قوي في دعم التنمية الاقتصادية في سوريا
سيول الحسكة تكشف مقابر جماعية تضم مئات الجثث


