مقالات رئيس التحرير

قراءة نقدية في تصريحات الرئاسة السورية حول "المعجزة الاقتصادية" والتعافي الموهوم

20.03.2026 | 21:28

تناولت حلقة اليوم الجمعة لرئيس التحرير نضال معلوف تحليلًا نقديًا معمقًا للتصريحات التي أدلى بها الرئيس السوري في أول أيام عيد الأضحى، والتي ركزت على ما وُصف بـ "مؤشرات التعافي الاقتصادي" في سوريا.

كشف التحليل عن فجوات هائلة بين الأرقام الرسمية المعلنة والواقع الاقتصادي المعاش، واصفًا السردية الرسمية بأنها تقترب من "المعجزات" التي لا يمكن تصديقها في ظل المعايير الاقتصادية العالمية.

 

نمو الناتج المحلي الإجمالي: أرقام تتجاوز المنطق العالمي

أشار الرئيس في حديثه إلى أن الناتج الإجمالي المحلي السوري كان في عام 2024 يقدر بـ 20 مليار دولار، وزعم أنه سيصل في عام 2026 إلى 60 مليار دولار. وهذا يعني تحقيق نسبة نمو تتجاوز 100% خلال عامين فقط.

عند مقارنة هذه الأرقام بالواقع الدولي، يظهر الاستحالة الاقتصادية لهذا الادعاء:

الدول النامية التي تحقق نجاحات كبرى تحلم بنسبة نمو تصل إلى 5% أو 6%.

في عام 2024، بلغت نسب النمو في كبرى اقتصاديات العالم: الهند (6.5%)، الصين (5%)، تركيا (3.5%)، والولايات المتحدة (2.5%).

تاريخيًا، لم تحقق أفضل الاقتصادات في حالات التعافي ما بعد الأزمات نسبة نمو تزيد عن 15%.

وبناءً على ذلك، فإن القفز من 20 إلى 60 مليار دولار في ظرف عامين يعد أمرًا غير مسبوق في التاريخ الاقتصادي العالمي، خاصة لدولة تعاني من ظروف سوريا الحالية.

الموازنة العامة: إنفاق متضاعف دون موارد واضحة

تضمنت التصريحات الرسمية إشارة إلى تضاعف الإنفاق في الموازنة العامة من 2 مليار دولار في عام 2024 ليصل إلى 10.5 مليار دولار في عام 2026، أي بزيادة قدرها خمسة أضعاف.

تكمن الإشكالية في هذه الأرقام في غياب أي إشارة لمصادر الإيرادات أو الواردات التي ستغطي هذا الإنفاق الضخم. وفي ظل اقتصاد منهار ومحاصر، يظل هذا التوسع في الإنفاق لغزًا يصعب تفسيره بالمنطق المالي السليم، ويضعه في خانة "المعجزة" المستحيلة.

 

مغالطة "الفائض المالي" في موازنة دولة مدمرة

من أكثر النقاط إثارة للجدل في الخطاب الرسمي هو الحديث عن تحقيق "فائض" في الموازنة. فبينما تعاني البلاد من احتياجات هائلة في قطاعات الكهرباء والمياه والطرقات والنظافة، وبنية تحتية شبه مدمرة، يُعلن عن وجود زيادة أو أرباح في الخزينة.

وفقًا للعرف الاقتصادي، تعاني الدول الخارجة من دمار شامل حتمًا من "عجز كبير" نتيجة التكاليف الباهظة لإعادة الإعمار وتأهيل البنى التحتية. لذا، فإن ظهور فائض مالي في هذه المرحلة يثير تساؤلات جدية حول دقة هذه البيانات وأين تُصرف هذه الأموال فعليًا في وقت يفتقر فيه المواطن لأدنى الخدمات.

وهم زيادة الرواتب والتمويل بالعجز

تطرق الخطاب إلى زيادات في الرواتب بنسب تراوحت بين 550% إلى 1200%. ورغم ضخامة الرقم، إلا أن التحليل الاقتصادي يشير إلى خطورة هذه الخطوة في ظل الظروف الحالية:

غياب الإنتاج: زيادة الرواتب دون وجود إنتاج حقيقي أو نمو في الإيرادات تؤدي إلى ما يعرف بـ "التمويل بالعجز".

طباعة العملة: التمويل بالعجز يعني طباعة كميات كبيرة من الليرة السورية دون رصيد، مما يؤدي بالضرورة إلى انهيار سعر الصرف وتضخم هائل.

تآكل القدرة الشرائية: تترافق هذه الزيادات "الأسطورية" مع نقص حاد في المواد الأساسية، مما يجعل الزيادة الرقمية للراتب بلا قيمة فعلية أمام الارتفاع الجنوني للأسعار.

 

الواقع الحقيقي: تناقض التصريحات الرسمية

تتعارض السردية الرئاسية عن التعافي مع تصريحات مسؤولين آخرين في الدولة؛ حيث أشار وزير الخارجية (الشيباني) في وقت سابق إلى:

انعدام الاستثمار الفعلي.

غياب الصادرات ووصول الإنتاج الحقيقي إلى مستوى الصفر.

ندرة العملة الصعبة.

هذا التناقض يحول الخطاب الاقتصادي من خطة عمل واقعية إلى مجرد "سردية سياسية" تهدف للتغطية على الواقع المأزوم.

التفسير السيكولوجي لخطاب "المعجزات"

يحلل نضال معلوف لجوء القيادة السورية لمثل هذه الأرقام غير المنطقية بأنها نابعة من حالة "تضخم الأنا" لدى الديكتاتور، حيث يصدق ويؤمن بأن كل ما يتحدث به يجب أن يكون حقيقة، حتى لو كان مستحيلاً.

هذه الحالة تؤدي إلى ما يوصف بـ "العمى المجازي"، حيث يصبح المسؤول غير قادر على قراءة ردود أفعال الشارع أو المؤشرات الواقعية، ويرفض سماع أي صوت يخالف رؤيته، مما ينتج خطابًا يبتعد تمامًا عن الواقع ويخفف من هيبة ومقام رئاسة الدولة أمام الشعب والمتابعين المختصين.

 


TAG:

لجنة التحقيق الدولية بشان سوريا: الانتهاكات في الساحل والسويداء قد ترقى الى جرائم حرب

أصدرت لجنة التحقيق الدولية بشان سوريا الجمعة تقريرها السنوي الذي تضمن الانتهاكات في المجازر في الساحل والسويداء وعمليات القتل خارج نطاق القضاء والتعذيب وسوء المعاملة والوفيات أثناء الاحتجاز والاختفاء القسري والاختطاف وانتهاكات حقوق السكن والأراضي والممتلكات.